فرسان القلعة التعليمية الشاملة
بِقُلُوبٍ تَفِيضُ بِرَحِيقِ المَحَبَّةِ و كَلِمَاتٍ مُفْعَمَةٍ بِرُوحِ الأُخُوَّةِ نُحَيّيكُمْ .. و هَاهِيَ أَيَادِينَا تُمدُّ لَكَ تَرْحِيبًا وَ حَفَاوَةً آمِلِينَ أَنْ تَقْضِيَ بِصُحْبَتِنَا أَسْعَدَ وَ أَطْيَبَ الأَوْقَاتِ , تَقَبَّل مِنَّا أَعْذَبَ وَ أَرَقَّ التَّحَايَا..
" بوابة القلعة التعليمية الشاملة " اسمٌ جامعٌ للمُفيدِ ، المُمتع ، وَ الجديد ، من شجنِ الصَّوتياتِ ، وتنُّوعها ، إلى انبِهار الرؤيَـة في الفلاشات ، إلى تعدّد مُحْتَويَات الجوال ، وَ الكثِير الذي ضمَّناهُ الأفقَ الرَّحب هُناك ، التحدِيث مُستمـرّ اطّلاعكم ، وَ وُجودكم يروِي أوراقَ الوردِ في زوايَا المكان ..
احب الصالحين ولست منهم 00000 لعلى انال بحبهم شفاعة // وأكره من تجارته المعاصى 00000 ولو كنا سواء فى البضاعة ... مرحبا بك اخى الحبيب واختى الفاضلة الرجاء التسجيل للتمتع بمحتويات المنتدى .. غفر الله لنا ولك
أخى فى الله /أختى فى الله
اهلا بكم فى منتداكم الشامل والمتكامل بمشاركاتكم
إذا كنت عضو فتفضل بالدخول
وإذا كنت زائر نتشرف بالتسجيل معنا فى اسره المنتدى
واتمنى ان تستفيدوا منا وان تشاركونا فى نهضة المنتدى
وجزاكم الله خيرا
أســره المـــنتدى


فرسان القلعة التعليمية الشاملة

أهم الأخبار بالعربية والانجليزية ☞ اسلاميات ☞ لغات ☞ مراجعات نهائية ☞ مناهج مصرية وسعودية ☞ ملازم ☞ ابحاث وموضوعات تعبير ☞ معاجم وكتب ☞ توقعات ليلة الامتحان ☞ اخبار التعليم ☞ صور وبرامج ☞ كن أحد فرسان القلعة ☞
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

﴿ خواطر متناثرة بقلم ابراهيم حجاج

ربى حيى كريم ستير رحيم ،،،

على مسرح السياسة لابد لأقنعة المنافقين أن تتساقط لتظهر وجوههم القبيحة مهما طالت الملهاة ،،،

تمكين الأمةِ وصلاحها لن يتحقق بجهاز تحكم عن بُعد أو كيبورد ، انهض وشارك بإصلاح نفسك ومن حولك ،،،

الأُمَناءُ قِلة ،،،

سننتصر بقدرِ الله .. همسة فى أُذن كل مهموم بأحوال الأمة ،،،

الله أكبر ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ،،،

﴿ اللهمَّ اني اسألك شهادةً في سبيلِك لي ولأبنائى وأحب الناس إلى قلبي

لا تبخل بآراءك ؛ فلن يرثها أحدٌ ليخبر بها .. فربّ كلمة ترضى ربك فتنجيك ،،،

للأمة بابٌ إذا فُتِح ؛ أعزها الله . إنه باب الجهاد ؛ لعن الله من يسعى لغلقه ،،،

" أقبح أنواع الجبن " امتناع العلماء عن قول الحقِ وقت المحن والفتن ،،،

ليست فلسطين وحدها المحتلة ؛ بل الأمة الإسلامية كلها . وانظروا لطغاتها وجيوشهم لتعلموا صدق ما أقول ،،،

يدّعون أنهم يمثلون شعوبهم ؛ وهم يمثلون على شعوبهم .. الإستخفاف حرفة الطغاة ،،،

يجب نصرة أهل السُنة فى كل مكان خاصة فى العراقِ والشام ،،،

نُريدها إسلامية وإلا فلا .. عن ثوراتنا أتحدث ،،،

الإنبطاح صنعة من لا يجيد الكفاح ،،،

الإعتذار شيمة الأحرار ،،،


أيا ظالمى ! محكمة العدل الموعد ؛ وعند الله يجتمع الخصوم ،،،

أحمق يتمنى ما عند غيره ؛ وحمقى يتمنون ما عنده .. ليتهم انشغلوا عما فى أيدى بعضهم بشكر ربهم ؛ قال الله : " لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد " ،،،

البدع والشبهات أخطر من المعاصى والشهوات ،،،

صمودك أمام عدوك يجبره على التراجع ؛ فاثبت ،،،

الكرم خلف ؛ والبخل تلف ،،،

أحمقُ الحمقى من يخدعه أحمق ،،،

لا تشارك من تحب آلامك لكيلا تؤلمهم ،،،

اشتاقت لأبنها الشهيد ؛ فحققت أمنيتها قذيفة ،،،

بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» لأول مرة بالمنتديات : قاموس اكسفورد The Oxford English - Arabic Dictionary
أمس في 8:14 pm من طرف allamallam

» egyptian academy
2016-11-30, 9:36 am من طرف soltan

» كورس الجامعة الامريكية : اقــوى كـــورس فى تعــــــلــــم الانجليزيه بكل المراحل
2016-11-20, 6:46 pm من طرف zaza28

» حصريا اقوي قاموس ناطق علي الاطلاق Cambridge Advanced Learner’s Dictionary 3rd Edition
2016-11-15, 3:56 pm من طرف shelooo

» مذكرات المواد الشرعية كاملة للصف الثالث الثانوي الأزهري القسم العلمي
2016-11-01, 10:10 pm من طرف محمود ابوعمر

» اجمل هدية لاعضاء المنتدى / قاموس يترجم الكلمات بمجرد تمرير الفأرة على الكلمة ... اقوى قاموس على الانترنت
2016-10-18, 10:03 pm من طرف metwaly

» اقوى دورات ( كورسات ) اللغة الانجليزية و المجموعه الاخيره من American Headway
2016-10-13, 9:36 am من طرف AmirAlzoghbi

» اسطوانات Grammar رائعة لراغبى معرفة اسرار وخبايا قواعد اللغة الانجليزية
2016-10-08, 8:57 pm من طرف xxxxxzzzzz

» Pimsleur - English for Arabic Speakers أحد أفضل الكورسات في تعليم اللغة الانجليزية
2016-10-08, 8:53 pm من طرف xxxxxzzzzz

» مفاجأة وهدية رائعة ::: اسطوانة عجيبه فى تعلم اساس اللغه الانجليزية بمتعه للطالب والمعلم :::::::::::::
2016-05-13, 11:19 pm من طرف حسن محمد محمد

» مراجعه شامله لغه فرنسية للصف الثالث الثانوى الازهرى
2016-05-13, 12:44 am من طرف roma loutfi

» المراجعة النهائية التى لن يخرج عنها امتحان اللغة الفرنسية 3ث ازهر
2016-05-08, 8:05 pm من طرف adel shoman

» اجلب تعاريف جهازك وحدثها بكل سهولة (رابط مباشر )Driver Genius
2016-04-25, 10:23 am من طرف Nashat7797

» مجموعة امتحانات لغة انجليزية بالمواصفات الجديدة للصف الثالث الثانوي الازهري
2016-01-24, 7:41 am من طرف وردانى السيد

» كورس معهد القوات المسلحه كاملا” 8 اسطوانات لتعليم الانجليزيه
2015-12-27, 9:16 pm من طرف ahmed19

» مستر . باسم الشريف .. أزمنة المستقبل للثانوية العامة
2015-12-26, 11:10 am من طرف طارق محمد محمد الشرقاوى

» افضل مراجعة بصدق لانجليزى 2ث 2011 مجهود جبار لاحلى احرار
2015-12-24, 12:51 pm من طرف طارق محمد محمد الشرقاوى

» مراجعة الوقت بدل الضائع لغة انجليزية 2012 للصف الثانى الثانوى
2015-12-24, 12:45 pm من طرف طارق محمد محمد الشرقاوى

» لكل دارسى اللغه الإنجليزيه لكل المستويـات و المـراحـل أساسيـات اللغـه الإنجليزيـه بشكل جديد سهل رائع بجميــع الأشكـال و الألـوان
2015-12-24, 7:29 am من طرف طارق محمد محمد الشرقاوى

» ملخص قواعد اللغة الانجليزية للصف الثانى الثانوى 2012
2015-12-24, 7:17 am من طرف طارق محمد محمد الشرقاوى

سحابة الكلمات الدلالية
تعبير انجليزى امتحانات منهج الثانوى الاعدادى الثالث ثانوى الانجليزية ثانوي امتحان كتاب مراجعة الثانوي الثانى براجراف اللغة للصف انجليزي الاول انجليزية موضوع الصف مذكرة مقدمة برجراف
المواضيع الأكثر شعبية
حصريا اقوي قاموس ناطق علي الاطلاق Cambridge Advanced Learner’s Dictionary 3rd Edition
متابعة مليونية 29/7/ 2011 الشريعة فوق فوق دستورية +_-_ اقوى اسطوانة تدافع عن النقاب شاهد واحكم الله أكبر
كلمات انجليزيه مترجمه (لمن يريد الحفظ)
ازاى تكتب برجراف يطريقة بسيطة +جمل جامدة تنفع لأى برجراف "متجدد
موضوع تعبير بالانجليزية عن الثورة المصرية 25 يناير A paragraph on The egyptian revolution
مذكرات المواد الشرعية كاملة للصف الثالث الثانوي الأزهري القسم العلمي
اجمل مقدمة اذاعة مدرسيه
اجابة امتحان اللغة الانجليزية للصف الثانى الثانوى ( 2 ث ) 2011
السيرة الذاتية للشيخ حازم صلاح ابو اسماعيل المرشح للرئاسة
كلمات ترجمة للثانوية العامة .. هام جدا جدا ( يا حسرة من لم يقرأ هذا من الطلاب)
المواضيع الأكثر نشاطاً
حصريا اقوي قاموس ناطق علي الاطلاق Cambridge Advanced Learner’s Dictionary 3rd Edition
برنامج الشيخ حازم صلاح ابو اسماعيل الانتخابى الرئاسى2012 + السيرة الذاتية + ماذا قالوا عنه + مواد دعائية
متابعة مليونية 29/7/ 2011 الشريعة فوق فوق دستورية +_-_ اقوى اسطوانة تدافع عن النقاب شاهد واحكم الله أكبر
متابعة لتظاهرات النصارى احتجاجا على ما يدعونه هدم كنيسة المريناب .. وعشرات القتلى والمصابيين
متابعة لاحداث جمعة استرداد الثورة و30/9/2011كل مستجدات الاحداث (( متجدد ان شاء الله تابعونا ))
عمليات مسلحة على إسرائيليين بالقرب من الحدود المصرية الإسرائيلية
عاجل : اعتصام وزارة الدفاع هل يكون بداية الثورة الحقيقية " بالصور والفيديوهات " ؟ 28 / 4 / 2012
لأول مرة بالمنتديات : قاموس اكسفورد The Oxford English - Arabic Dictionary
متابعة لأخبار مليونية المطلب الواحد 18 نوفمبر 2011
اهم الاخبار والمتابعات لاحداث يوم 25-1-2012 وما يتعلق به من احداث ومستجدات
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
الغريد الأسيف - 7765
 
اسد الله محمد - 1591
 
عبيدة رافع اللواء - 1574
 
اسد الله اياد - 1546
 
همس الندى - 1510
 
مهند طبيب المجاهدين - 1470
 
لغير الله لن نركع - 1283
 
افتخر بنقابى - 1083
 
ضوء القمر - 737
 
sayedeid - 425
 
أفضل 10 أعضاء في هذا الشهر
allamallam
 
welcome to my paradise

شاطر | 
 

 قصة كلها عبر ومواعظ .. حياة شاب وكأنها خيال . والله سوف يبكي قلبك قبل عينك

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الغريد الأسيف
( إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْم
( إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْم


الديانة الديانة : الحمد لله على نعمة الاسلام وكفى بها نعمة
الجنسية الجنسية : وطنى هو كل مكان يُذكر فيه ربى جل فى علاه
عدد المساهمات : 7765
العمر العمر : 41
المهنة المهنة : لا حياة بدون عمــــل .. ولا عمل بدون أمــــل !!
الابراج الابراج : القوس
الأبراج الصينية الأبراج الصينية : القط
نقاط : 186557
السمعة : 246
تاريخ الميلاد : 07/12/1975
تاريخ التسجيل : 29/03/2010
الموقع : http://fgec.ahlamontada.com/
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : Senior master of English

مُساهمةموضوع: قصة كلها عبر ومواعظ .. حياة شاب وكأنها خيال . والله سوف يبكي قلبك قبل عينك   2012-01-17, 11:12 pm

الفصل الأول
(١)
في صيف عام ١٩٧٥ كنت أجلس في محطة القطار بمدينتي الصغيرة، مدينة بنها، منتظرا
القطار المتجه إلى القاهرة، وكان ينبلج بخاطري أفكار شتى هي مزيج من ذكريات
ماضٍ خاوٍ يخلو من شيء مذكور وآمال غدٍ يتوارى خلف حجب الغيب، تذكرت
دراستي بالمدرسة الثانوية التجارية، وصدمتي يوم وافت أبي وأمي اَلمنِية في حادث
طريق، وتذكرت أيام فراغي عندما مكثت بلا عمل بعد انتهائي من دراستي، إلى أن
دعاني عمي المقيم في القاهرة كي أعمل معه في متج ره، وها أنا أشد الرحال إليه لأول
مرة، وطاف بخيالي آمالٌ عريضة كثيرا ما تاقت إليها نفسي، كانت آمال شابٍ يافع لم
يتجاوز العشرين من عمره، ولم يدرك طبيعة الحياة، ولم يخبر مسالك أهلها، ولم يعرف
ضوابط تسيير أمورها في هذا العصر، فكل منا في حداثة سِنه يختلق صورة للحياة في
مخيلته، ثم يبني على هذه الصورة خططه وتوقُّعه لما سيلقاه في عاجل عمره وآجله، قليل
هم الذين يصيبون في تخيل تلك الصورة، وأكثرنا يخطئون التخيل فيصطدمون بواقعٍ لم
يحتسبوه، ثم يعتادوه بعد زمان قد يقصر أو يطول، وتمضي الحياة إلى اندماجٍ في
واقعهم أو منابذته.
أخرجني صوت القطار من مستودع أفكاري، فحملت حقيبتي واتخذت فيه مقعدا،
ومضى القطار يشق طريقه إلى القاهرة، ولا يقطع صوت عجلاته المزعج سوى نداء
البائعين المتجولين، كانوا يعرضون الأطعمة والمشروبات، ووجوههم شاحبة كالحة
خالية من أي تعبير أو انف عال كأنهم آلات مسيرة ، بدوا كدماء تسري في جسد
القطار، يسيرون معه أينما سار، فأسبغ عليهم ذلك الجمود الموازي لجموده وثبات
وتيرته.
وفور وصولي إلى القاهرة وجدت نفسي وسط طوفان بشري من الغادين والرائحين،
يكاد وقع أقدامهم ينوء بالأرض، كان المكان يضج بأصوات متد اخلة تصل الأسماع في
هيئة دوي منتظم تذوب فيه الكلمات، وتضيع في قلبه الأَْفهام.
توجهت إلى عنوان متجر عمي، كان متجرا لبيع الأغذية المحفوظة في منطقة (الَفجاَلة)
الزاامل بالمكتبات، وهناك استقبلني عمي بترحاب بالغ قائ ً لا: كيف حالك يا خالد،
اشتقت إليك كثيرا.
قلت: أحسن الله إليك، وأنا كذلك.
قال: هل وجدت مشقة في الوصول إلى هنا؟
قلت: كلا، فالمكان مشهور على ما يبدو.
قال: قد استأجرت لك غرفة لتقيم فيها مؤقتا حتى ييسر الله الحال.
قلت: وهل تبعد كثيرا عن المتجر؟
قال: لا، إنها مسيرة عشر دقائق لا أكثر.
وجعل عمي يتحدث عن نظام عمل متجره وعن حياته في القاهرة دون أن أعي أكثر ما
يقوله، إذ أحاط بعقلي تساؤلات كثيره أسرت إليَّ أ ْ ن ماذا
ُ كتب لك أن تلقى في مجتمع لا عهد لك به، وإلى أي سبيل سيقضي الله فيه أمورا
كانت مفعولة، وبقيت على تلكم الحال حتى حان موعد إ غلاق المتجر، فصاحبني عمي
ليرشدني إلى مكان إقامتي الذي اختاره لي، كان شقة ا ثلاث غرف ويشاركني فيها
رفيقان هما "أحمد عاطف" و"مصطفى جابر"، وقد  خص كلُّ واحد منا بغرفة، وبعد
تعارف سريع اغتسلت ثم استلقيت على الفراش محاولا النوم دون جدوى، كانت
الأفكار والتسا ؤلات لا تزال تلح على عقلي وتأبى أن تفارقه، ومضي الوقت فلم أنتبه
إلا على صوت أذان الفجر، لم يكن أذانا واحدا، بل كان عدة أصوات أذان متداخلة،
لا يكاد السامع يميز كلماته من اختلاطها ببعضها، كان الجهد قد بلغ بي مبلغا كبيرا،
فتوضأت وصليت سريعا في غرفتي، ثم هممت بالنوم مرة أخرى، ففاجأني صوت أذان
جديد يرتفع، كان صوتا وحيدا هذه المرة، وكان يعانق سكون الفجر صافيا، أدهشني
الأمر ولكني لم أحفل به كثيرا، إذ كنت أبغي النوم، وسرعان ما اختلس النوم روحي
استيقظت من نومي ظهرا على صوت أصوات الأذان المتداخلة مرة أخ رى، فأكلت
طعاما خفيًفا، ثم توجهت إلى متجر عمي، وفي طريقي إلى المتجر لفت نظري كهل في
العقد الخامس من العمر يجلس على مقعد خشبي أمام دكان لبيع الكتب القديمة ويقرأ
مجلدا ضخما، ألقيت عليه السلام فلم يرد، ويبدو أنه كان مستغرًقا في القراءة فلم
ينتبه إلى سلامي، وعند عودتي من المتجر مساءً وجدته لا يزال مستغرًقا في قراءته،
فتبسمت من حاله، وعلى بعد خطوات منه رأيت مقهى يقعد فيه عشرات من العامة،
منهم من يدخن النارجيلة، ومنهم من يلعب النرد، ومنهم من يتعالى صوته بالصياح
والضحك، بدا كأنهم قد اجتمعوا لإهدار الوقت بع د أن ُ طمس على أبصارهم لِيمنعوا
إدراك قيمة أوقاتهم، فغدو يتنافسون لقتلها.
ولما وصلت مسكني وجدت "أحمد" يجلس وحيدا، كان "أحمد" شابا في حوالي الخامسة
والعشرين من العمر، يميل إلى النحافة، وكان ملتحيا، ويوحي مظهره بالالتزام الديني،
قلت: السلام عليكم.
فلم يرد السلام، وقال: مرحبا.
فسألته: هل تقيم هنا منذ زمن طويل؟
قال: منذ عامين.
قلت: وما عملك ؟
قال: عامل بناء.
كانت ردوده موجزة، فوقع في نفسي أنه لا يريد الحديث، فصمت برهة منتظرا أن
يقول شيًئا أو يوجه إليَّ سؤا ً لا، فلم يتكلم، فسألته الإذن بالانصراف إلى غرفتي، فأ ومأ
برأسه.
كان اليوم التالي يوم جمعة، وقبيل موعد أذان الجمعة رأيت "أحمد" و"مصطفى" يتأهبان
للخروج إلى الصلاة ، فسألتهما: أين تنويان الصلاة؟
فرد "مصطفى": في مسجد للجماعة.
فقلت مستفسرا: أي جماعة؟
فرد "مصطفى" مبتسما: جماعة المسلمين
لم أفهم ما يقصده، فحملت قوله على المزاح، وقلت: هل يمكنني مرافقتكما؟
فرد"أحمد" هذه المرة: سيسعدنا ذلك.
وفي طريقنا إلى المسجد سألت "أحمد": من أين تأتي أصوات الأذان الكثيرة التي نسمعها
ولا أكاد أرى مسجدا حولنا ؟
قال : من مساجد صغيرة بنيت أسفل العمائر السكنية.
وأشار بيده إلى أحدها قائ ً لا: كهذا الذي تراه.
وبعد خطواتٍ قليلة دخلنا مسجدا يقع في طريق قصير غير ممهد، وكان المسجد ضيًقا
لا يكاد يتسع لأكثر من خمسين مصليا، وتعجبت من اختيار هم لهذا المسجد مع أننا
مررنا بمساجد أكثر منه قربا واتساعا، وعندما  رفع الأذان فيه ميزت صوت المؤذن
الذي يؤذن متأخرا وحيدا لصلاة الفجر، كان يبدو لي مسجدا فريدا، وكان خطيب
الجمعة ذا طريقة في الخطابة غير مألوفة، وكان يكثر من استخدام مفردات وعبارات لا
أستطيع فهمها لقلة حظي من العلم، ولكني لاحظت أنه يكرر كثيرا مقولة (جماعة
المسلمين)، وعقب الصلاة ارتفعت أصوات المصلين بالذكر على نحو ليس لي عهد به،
وكان عددهم قلي ً لا لا يتجاوز الثلاثين، فأصابتني حيرة شديدة وعزمت على استيضاح
الأمر من رفاقي في وقت لاحق.
وذات يوم عدت من عملي مبكرا، فوجدت "أحمد" يجلس وحيدا يقرأ القرآن بصوت
مرتفع ، فانتظرت حتى انتهى لأغتنم الفرصة فأسأله عن ذلك المسجد الفريد.
فقلت له: ما بال المسجد الذي نصلي فيه يخالف عامة المساجد؟
قال: وكيف ذلك؟
قلت: يؤذن فيه مرتان لصلاة الفجر، وتطول فيه الصلاة ، وترتفع أصوات المصلين
بالذكر بعد كل صلاة!
قال: إنما نفعل ذلك إقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
فسألته: ولماذا لا تفعل المساجد الأُ خري ذلك؟
قال: لعله الجهل، أو التقليد.
تفكَّرت برهة، ثم قلت: لا أفهم مقصدك
قال: أكثرهم يجهلون السنة، ومن يعلمها فإنه يتبع ما يجد عليه أكثر الناس وإن خالف
علمه.
تفكَّرت في جملته الأخيرة، وتساءلت في نفس ي: هل يمكن للإنسان أن يتبع الخطأ خشية
مخالفة من حوله من الناس؟ أم أن عمل الناس يفتنه ولا يتقبل عقله اتفاقهم على الخطأ،
فيتهم نفسه بالقصور في إدراك الصواب؟ بدا لي الوجه الأخير أكثر قبو ً لا، إذ وقع في
نفسي شيء منه، وثقل علي تصديق أن المصلين في هذا المسجد وحده هم الذين عملوا
بالصواب دون غيره من المساجد.
لاحظ "أحمد" سهوي فقال: أين ذهبت بعقلك؟
قلت: ليس بعيدا، وما قصة (جماعة المسلمين) التي أسمعها كثيرا ؟
فتبسم قائ ً لا: نحاول تكوين نواة لجماعة مسلمة تضم المسلمين جميعا ويقودها إمام
واحد.
فقلت متعجبا : لماذا؟
قال: اتحاد المسلمين جميعا تحت قيادةٍ واحدة أمر شرعي واجب العمل به.
قلت ولم يفارقني التعجب: وكيف يتحد المسلمون وهم مشتتون في دول عديدة ولكل
دولة حدوها وقائدها ؟
قال: هذه حدود وضعها الناس وليست مقدسة، والقادة يجب أن يوكل إليهم الإمارة
من قبل إمام المسلمين، ولعل الله يقدر الزوال لحالنا اليوم.
كان كلامه يبدو لي غريبا، ولم أجد تعقيبا، فتركته وتوجهت إلى غرفتي ، وكلامه يدق
كالناقوس في رأسي.
ومع الوقت ُأتيح لي المزيد من التعرف إلى "أحمد" و"مصطفى"، وتلاشى الحاجز النفسي
الذي بدا لي في حواري الأول مع "أحمد"، وحدث نوع من الألفة بيننا، ف علمت أن
"أحمد" غير متفق مع أسرته، وأنه يقيم منفردا عنهم لهذا السبب، أما "مصطفى" الذي
كان أكبرنا سنا، فقد قال لي أنه جاء إلى القاهرة مهاجرا من إحدى القرى منذ ثلاثة
أشهر أم ً لا في إيجاد عمل، كانت لهجته في الحديث تطابق لهجة أهل القاهرة، ولا تحمل
كلماته ذلك الطابع الريفي المعروف، وكان يبدو أنه اندمج سريعا في اتمع الجديد
واستطاع تعديل لهجته.
***
مرت الأيام، وحياتنا تمضي على نحو راتب، كنت ألتقي برفاقي عند صلاة الفجر، التي
كان يقوم لها "أحمد" نش ً طا، بينما كنت و"مصطفى" نتكاسل في القيام، ثم نمضي في
الصباح إلى أعمالنا، وقد تجمعنا ردهة المترل لتبادل الحديث في المساء، وفي طريقي إلى
متجر عمي أرى دائما ذلك الكهل الجالس أمام دكان الكتب القديمة ليقرأ، وأمامه
يجلس رواد المقهى ليقتلوا أوقاتهم بالتدخين واللعب والأحاديث التافهة والغِيبة وتلفيق
أسباب السخرية والضحك من السائرين، ومع أن المشهد كان يجمع القارئ مع
العابثين في تناقض ظاهر، إلا أنه كان مشهدا مألوًفا، فالناس لا يجتمعون على قلب
رجل واحد متى افتقروا إلى سبب يجمعهم، وقد تلاشت أسباب الجمع في عصرنا هذا.
وفي أحد الأيام عدت فوجدت بين أيدي "أحمد" و"مصطفى" كما كبيرا من نسخ
ُ كتيب مطبوع، جلست ملتق ً طا إحدى النسخ وكان الكتيب يحمل عنوان (لزوم
الجماعة)، اطلعت عليه، فإذا به دعوة إلى الانضمام إلى جماعة المسلمين ومبايعة إمامها
مع التحذير من مفارقتها، فكل مفارق لها كافر، كما تضمن الكتيب دعوة إلى اعتزال
المجتمع حتى يتم التمكين للجماعة، وكان الكلام مدعوما بأدلة من القرآن والسنة.
كان الشارع المصري بوسائل إعلامه يتداول أحاديث عن جماعة يصفها بالضلال
وتنتشر في أكثر المحافظات المصرية، وتدعى (جماعة التكفير والهجر ة)، وكان يقال أنها
تكفِّر الناس وتعتزلهم، ولاحظت التشابه بين ما ورد في الكتيب وما ينسب إلى تلك
الجماعة، فهل جماعة المسلمين هي جماعة التكفير والهجرة؟ هل كنت قريبا من هذه
الجماعة دون أن أعلم؟ هكذا دارت التساؤلات في ذهني، ولكني لم أشأ أن أسأل عن
الأمر بطريقة مباشرة تسفر عن جهلي وقد تسبب حرجا، فقلت: لماذا يشيع قول
(التكفير والهجرة) بين الناس هذه الأيام؟
رد "أحمد": لأنهم يريدون تشويه حقيقتنا بإطلاق هذا الاسم
وهكذا تيقنت أني أرافق جماعة التكفير والهجرة، ولكني وقعت في حيرة جديدة، فلست
أدري هل هذه الجماعة على حق أم على باطل؟ هل ألزمها أم أعتزلها؟
قررت ألا أستعين بأحد في الحكم على فكر الجماعة، وأن َأ رد الحكم إلى نفسي، لم يكن
قراري نابعا من ثقة زائدة في النفس بقدر ما كان مبنيا على طبيعتي المائلة إلى الشك
والخوف من إتباع إنسان معرض للخطأ، أو قد تؤثِّر مصلحته في تقويمه للأمور وحكمه
عليها، فأكثر الناس لا يستطيعون التجرد التام من الهوى عند رؤيتهم للأمور.
سألت "أحمد" إن كان لهذه الجماعة مطبوعات أخرى تبين فكرها، فأعطاني بعض
الكتب التي وضعها إمام الجماعة، فقرأتها عدة مرات حتى استوعبتها جيدا، وبدت لي
قوية الحجة فيما ذهبت إليه، ولكني عجزت عن الحكم عليها لقلة حظي من العلم
الشرعي، فرأيت إرجاء الحكم مع الحذر في التعامل مع الجماعة، فاقتصرت ملازمتي لها
على صلاة الجمعة، وقد لاحظ "أحمد" و"مصطفى" ذلك الإعراض مني، فسألني "أحمد"
في أحدى جلساتنا المسائية: لماذا غدوت كأن بينك وبين الجماعة شقاق؟
فاجأني السؤال، وصمت برهة أفكر في جواب مناسب، ثم قل ت: ما الذي أوحى إليك
بذلك؟
فقال: تخلفك عن صلاة الصبح معنا.
قلت: عندي أسبابي.
فقال: هل لنا أن نسألك عنها؟
قلت: أكره أن يطَّلع عليها أحد.
قال: أحسبها إ ً ثما.
وهنا دخل "مصطفى" الحوار فقال: أهو الكسل؟
قلت: أعوذ بالله من الإثم والكسل.
فقال "مصطفى": ألا تعجبك الجماعة؟
ما أسخف هذا السؤال، هكذا حدثت نفسي قبل أن أرد قائ ً لا: الإعجاب يبنى على ما
يدركه المرء، ومدركات الإنسان قد يشوبها ما يشوشها، فإن ميزت التشويش، لن
تركن إلى ما أدركته.
بدا التفكير على وجه "مصطفى"، ثم تبسم قائ ً لا: لم أفهم شيًئا.
لذنا بالصمت هنيهة قبل أن يقول "أحمد": نسأل الله الهداية إلى سبيل الرشاد.
***
وبعد عدة أسابيع، وفي صلاة جمعة لاحظت غياب الشيخ "حسين" خطيب الجمعة
اُلمعتاد، فقام أحد الحاضرين إلى الخطبة، ويبدو أنه ألقاها بغير إعدادٍ مسبق، إذ لم
يحسنها، وتعثرت الكلمات على شفتيه، وعند عودتنا عقب الصلاة جلسنا في ردهة
المترل وكان "أحمد" يبدو واجما شارد الذهن، على خلاف "مصطفى" الذي بدا متفائ ً لا
كعادته، وبادرنا الكلام فقا ل: لا تقلق يا "أحمد"، لا أحسب الشيخ "حسين" سيطول
احتجازه.
قال"أحمد": ما يقلقني هو سبب القبض عليه، فهو لم يفعل شيًئا مذكورا.
شعرت ببعض التوتر عندما سمعت هذا الكلام ، فقلت : هل كان القبض عليه ذا صلة
بانتمائه لجماعة المسلمين؟
رد "أحمد": نعم، إذ تم القبض على بعض الإخوة معه.
قلت وقد بدأ الاضطراب يظهر في صوتي: هل يعني ذلك أننا معرضون لما حدث له؟
رد "أحمد": الله أعلم.
حولت بصري صوب "مصطفى" كأني أوجه له نفس السؤال، فقا ل: نحن في أمان إن
شاء الله.
قلت: ألا تشكل جماعة المسلمين تهديدا لنظام الحكم، فيكون كل منتمٍ لها عرضة
للتنكيل؟
فتساءل "أحمد" : كيف تشكل تهديدا لنظام الحكم؟
قلت: أليست العزلة مرحلة مؤقتة حتى يتم التمكين، والتمكين يلزمه امتلاك زمام
الحكم أو الاصطدام بنظام الحكم؟
نظر إليَّ "أحمد" ذاه ً لا كأنما لم ينتبه إلى هذا الأمر من قبل!
فقال "مصطفى" متسائ ً لا: وهل يمكن أن يحدث التمكين قريبا؟
لم يرد أحد، وبعد برهة قلت: أرى أن نفارق الجماعة مؤقتا حتى تتضح الأمور
فرد "أحمد" بحدة: أنت تعلم معنى مفارقة الجماعة.
وقال "مصطفى" موجها إليَّ الحديث: هل حل بك الجبن؟
فقلت: افعلا ما تشاءان، أما أنا فلم أبايع للجماعة إماما ولا أميرا.
وقبل أن يعقِّب أحد، تركتهما وتوجهت إلى غرفتي لأقطع سبيل جدلٍ قد يوغر
الصدور.
فلما خلوت بنفسي دار بخَلدي أمر آخر، وهو الظن أن الأجهزة الأمنية تقوم برصد
أعمال أعضاء الجماعة عن طريق مخبرين سريين، كانت فكرة عارضة في البداية ثم ما
لبثت أن سيطرت على عقلي تماما، ولم يسلم من شكي أحد ممن ألتقيهم، كنت
أراقب المارين في الطريق من نافذة غرفتي وكلما رأيت واقًفا أو متسكعا ألقيت عليه
من ظنوني.
***
وفي يوم الجمعة التالي استيقظت مبكرا، فاغتسلت، وجلست في ردهة المترل، وقد
عزمت على أن أصلي الجمعة في مسجدٍ غير مسجد الجماعة، وكان "مصطفى" يعاني
من استطلاق البطن في ذلك الصباح، فاضطر إلى دخول الحمام عدة مرات وكنت
أراقبه يتنقل بين غرفته والح مام ويبدو على وجهه الضجر، وقبل موعد الأذان بنصف
ساعة خرج "أحمد" من غرفته فتوضأ، وطرق باب غرفة "مصطف ى" داعيا إياه إلى
الصلاة، ثم دعاني فأبيت، فلم يلح علي بالطلب، وخرج مع "مصطفى" قاصدا المسجد،
وبعد دقائق قمت فتوضأت ثم خرجت لأدرك الصلاة.
 سدل الليل ظلمته مساء ذلك اليوم وكنت أجلس وحيدًا في غرفتي، وكان الظن
بتعرضنا للرصد من قبل الأجهزة الأمنية لا يزال يميد بأفكاري ويلقيها وسط أمواج
عاتية من التوتر، وفجأة اقتحم عقلي ما حدث صباحا، إذ رأيت "مصطفى" يدخل
الحمام ليقضي حاجته عدة مرات ثم يخرج وليس عليه أثر وضو ء، ولما خرج مع "
أحمد" إلى الصلاة لم يتوضأ، وكنت أعلم أن مسجد الجماعة ليس فيه مكان للوضوء،
ثم تذكرت أن "مصطفى" كان يزعم أكثر الوقت أنه على وضوء، وقلما رأيناه يتوضأ،

وتذكرت مخالفة لهجة "مصطفى" في الحديث للهجة أهل الريف الذي يزعم أنه أتى منه


ليبحث عن عمل في القاهرة، كانت كل هذه الشواهد تدعوني إلى الشك في
"مصطفى"، والظن بأنه مكلف بالتجسس على الجماعة!
هرعت متوجها إلى غرفة "أحمد" الذي كان يهم بالنوم ، فقلت له هامسا: هنا أمر هام
أريد أن أحدثك فيه.
فقال: دعك منه الآن، فإني متعب.
قلت دون أن يفارق الهمس صوتي: أرجوك، فالخطب خطير.
قال: قل ما عندك سريعا.
توجهت إلى باب غرفته، فأغلقته كي لا يسمع حديثنا أحد، وسألت ه: هل توضأ
"مصطفى" بعد خروجكما من المترل لصلاة الجمعة اليوم؟
فقال بصوت يوحي بنفاد الصبر: لا، كان متوضًئا.
قلت: كلا، لم يكن كذلك، إذ رأيته قبل خروجكما يدخل الحمام ليقضي حاجته، ولم
أ ر عليه بعدها أثر وضوء.
فقال مستنكرا : ما الذي تعرض به لي؟
قلت: لعله يتجسس على الجماعة لصالح المباحث.
فتبسم "أحمد" بسخرية وقال: شفاك الله إن كنت جادا.
قلت: ألا تسمع لهجته في الحديث المخالفة للهجة أهل الريف، كيف يكون ريفيا
ويتكلم بلهجة أهل القاهرة ، وهو لم يمكث هنا سوى عدة أشهر؟
لم يرد "أحمد"، وعلا وجهه الاهتمام، فقلت: هل رأيت بطاقة إثبات هويته؟
فرد بصوت فيه شيء من القلق: لا، ولكن صاحب المسكن لابد أن يكون قد سجل
بياناتنا عنده.
قلت: فلنتحقق من الأمر.
فخرجنا متوجهين إلى صاحب المسكن، وعندما سألناه عن محل إقامة "مصطفى" ومهنته
المسجلين في بطاقة إثبات هويته، أعطانا عنوانا لقرية في محافظة الشرقية، وأخبرنا أن
مهنته المسجلة هي (طالب)، وهي كلمة يثبت بها أن صاحب البطاقة لا يزال في مرحلة
الدراسة، وقد تبقى مسجلة في البطاقات بعد انتهاء الدرا سة، وبعد انصرافنا قال
"أحمد": يبدو أنك دفعتني إلى سوء الظن بأخي.
قلت: لا تتعجل، قد تكون البيانات المسجلة في بطاقة هويته غير حقيقية، ولا تنس أن
المباحث تتبع وزارة الداخلية، وهي الوزارة المسئولة عن إصدار مثل هذه البطاقات.
قال: وماذا ترى؟ هل نتبع الظن وهو أكذب الحديث؟
قلت: بل نقطعه باليقين وهو أصدق الحديث.
قال: وكيف ذلك؟
قلت: نراقب "مصطفى" لنعرف أين يتوجه كل يوم، ونذهب إلى عنوانه لنعرف
حقيقته.
قال: حسنا، فلتراقبه أنت غدا، أما أنا فسأذهب إلى قريته وأسأل عنه.
وفي اليوم التالي شرعت في مراقبة "مصطفى" ولكني لم أك مل المراقبة، إذ كان يتلفت
كثيرا، فخشيت أن يفتضح أمري، ورأيت انتظار عودة "أحمد"، وعند عودته في المساء
اقتحم غرفتي، وكان مكفهر الوجه وبادرني قائ ً لا دون مقدما ت: لقد تيقنت من كذب
رفيقنا، فالعنوان صحيح، وهناك قابلت جيرانه، وقد أخبروني أن "مصطفى" يعمل مخبرا
في مباحث أمن الدولة وأنه يقيم في القاهرة منذ سنوات.
قلت مضطربا: هذا ما كنت أخشاه، لقد صدقت ظنوني.
قال: وماذا سنفعل؟
قلت: فلنفتش غرفته لعلنا نجد ما يفيدنا.
قال: لن نتمكن من تفتيشها، فهو يغلقها دائما.
قلت: كيف كانت حاله معك في الأيام الماضية؟
قال: كان يكثر السؤال عن كل أمور الجماعة، ويحاول توطيد علاقته بالكثير منا.
قلت: أرى أن نغير مكان سكننا، ونتعلل بأي عذر.
قال: أصبت، سأبدأ من الغد في البحث عن محل آخر للإقامة، وأفارق هذا الجاسوس.
قلت: حاول أن تبقى على طبيعتك معه كي لا يشك في معرفتنا لما يخفيه.
قال وهو يهم بالانصراف: هذا ما أنوي فعله
كان التطور السريع للأحداث يعجزني عن التفكير بروية، فصرت مذبذب الفكر،
وكانت صدمتي بأمر "مصطفى" تذهلني، ولكنها ألقت في نفسي أن الظاهر كثيرا ما
يخدعنا برونقه، وقد لا ندرك الحقيقة إلا متأخرا، أو لا ندركها أبدا فنعيش حياتنا في
غفلة منها، ولكن ليس لنا في الأمر شيء، فهكذا  خلق الإنسان حبيس حواسه
المحدودة.
وفي اليوم التالي وجدت "أحمد" و"مصطفى" يجلسان يتبادلان الحديث، فجلست بين
أيديهما، ووجهت حديثي إلى "مصطفى" فقلت: ألم تعثر على عمل بعد؟
قال بصوت يوحي بالحسرة: نعم، فمازلت أبحث.
قلت: لماذا لا تعمل مع "أحمد" في تشييد الأبنية السكنية؟
قال: عرض "أحمد" هذا الأمر علي من قبل، ولكنها مهنة شاقة لا يقوم لها إلا أولو
البأس.
قلت: وما العمل الذي يناسبك؟
قال: أنت تعلم أن منطقة إقامتنا يكثر فيها المكتبات ودور النشر، وقد استهوتني مهنة
الطباعة منذ حداثتي، وعسى أن يكون لي نصيب منها.
صمت "مصطفى" برهة كأنه ينتظر تعقيبا، فلم يعقِّب أحد، فاستطرد موجها حديثه إلى
"أحمد": لعلك تساعدني في هذا الأمر.
تصنع "أحمد" ابتسامة وقال بصوت ينم على عدم المبالاة: لست أدري.
وجعل "مصطفى" يوجه حديثه إلى "أحمد" محاولا استدراجه بكثير من الأسئلة، بينما يرد
"أحمد" بإجابات مقتضبة توحي بعدم الرغبة في الحديث، لم يكن "أحمد" مجبولا على
إخفاء ما يضطرب في صدره، أما "مصطفى" فكان يجيد  صنع صورٍ كاذبة ليظهر ها،
وهي موهبة يمتلكها محترفو التحايل والنفاق في كل العصور والأماكن، وفي زماننا كم
من متسولٍ دون حاجة أصبح ذا مالٍ ممدود بفضل تلك الموهبة، وكم من إنسان
ضحل العلم والثقافة اتخذها مهنة فصار ممثلا يشار إليه بالبنان، ويتنافس الدهماء
لرؤيته أينما ذهب، ويقدمونه على العلماء وأرباب الفكر، ولو علموا أن هذا الممثل ما
ورث مهنته إلا من منافقي العصور الغابرة لأسقطوا عنه ثوبه الزائف
بعد عدة أيام، وبينما كنت نائما بعد منتصف الليل سمعت طرًقا شديدا على باب
الشقة، فهببت من نومي فزِعا وخرجت من غرفتي، وكذلك قام "أحمد" و"مصطف ى"،
وقفنا نتبادل النظرات لثوانٍ قبل أن يتقدم "مصطفى" لفتح الباب، وفجأة  دفع الباب
بقوة واقتحم المكان أربعة رجال كأنهم شياطين، وقال أحدهم: من منكم "أحمد
عاطف"؟
لم يرد أحد، فأضاف الرجل: أروني بطاقات هويتكم.
وهنا قال "أحمد": أنا "أحمد"، من أنتم وماذا تريدون؟
قال الرجل: تعا َ ل معنا، هناك من يريد أن يتحدث معك قليلا.
قال "أحمد": لن أخرج من هنا حتى تخبروني بأمركم.
فأشار الرجل إلى رفاقه قائلا: أحضروه.
فانقض الثلاثة على "أحمد" وساقوه وهو يحاول مقاومتهم دون جدوى.
وعقب انصرافهم نظرت إلى "مصطفى"، فبدت ملامحه جامدة خالية من أي انفعال،
شعرت بأن نفسي تفيض ببغضه، فاستجمعت قوة ذهني و سألته: ماذا تظنهم سيفعلون
"بأحمد"؟
فرد قائلا: لا أدري.
ثم تركني ودخل غرفته، لم أستطع استئناف النوم في تلك الليلة، وعندما توجهت إلى
عملي في الصباح كنت أشعر  بجهدٍ شديدٍ يظهر جليا على حركتي المتثاقلة، فلاحظ
عمي ذلك، فأعطاني الإذن بالعودة لأنال قس ً طا من ال راحة، وفي طريق عودتي كنت
أشعر بالحيرة، إذ لا أدري ما يجب علي فعله مع "جماعة المسلمين" بعد أن تعقَّدت
الأمور، فأنا مقيد بقلة العلم الشرعي، ولابد لي من كسر هذا القيد بعلمٍ أتبين به الحق
من الباطل، وعند مروري أمام دكان الكتب القديمة، رأيت ذلك الكهل لا يز ال
جالسا ليقرأ كعادته دائما، فوقفت أمامه وألقيت عليه السلام، فرفع بصره ببطء ورد
السلام، فسألته: هل أجد عندك ُ كتبا في العلوم الشرعية؟
فقال: عندي آلاف الكتب في كل شيء، هل تريد شيًئا محددا؟
قلت: لعلك تساعدني، فأنا مازلت في بداية طلب العلم، ولا أدري من أين أبدأ.
قال: ما رأيك لو بدأت بتفسير القرآن؟
قلت: لا بأس.
فأحضر لي تفسيرا مختصرا في ثلاثة مجلدات، ومع أن المجلدات كانت قديمة إلا أنه طلب
مبلغا كبيرا من المال كثمنٍ لها، وبمشقةٍ بالغة رضي بإعارتها لي مقابل أجر زهيد لكل
أسبوع أحتفظها عندي بشرط أن أعيدها على نفس حالتها، حملت المجلدات كأني
أحمل كنزا ثميننا، وما أن وصلت مسكني حتى شرعت في القراءة بنهمٍ شديدٍ، وأدهشني
اختفاء الشعور بالجهد الذي لازمني منذ الصباح، وأثناء القراءة كنت تارة أجد مشقة
في فهم الكلام، فأتوقف وأعيد قراءة الجملة عدة مرات، وتارة تقابل ني كلمات أعجز
عن إدراك معناها، فعزمت على شراء معجم لغوي ليكون مفتاحا لفك طلاسم تلك
الكلمات المبهمة عندي.
أصبحت أتفرغ لقراءة التفسير كل يوم عقب عودتي من عملي، وأستعين بالمعجم لفهم
ما يشق علي فهمه، كان الطريق عسيرا في البداية، ومع الوقت بدأت ألمس حلاوة
كامنة في القرآن، كانت آياته تملك بروعتها أقطار نفسي، وتحتويها بسكينة لا تفارقها
ليلا أو نهارا، وتمنحها قوًة وصفاءً ذهنيا لم أشعر به من قبل، ولم يكن يكدر ذلك
الصفاء سوى قلقي بشأن "أحمد"، وتربصي بما سيفعله "مصطفى



للقصه بقيه

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fgec.ahlamontada.com
الغريد الأسيف
( إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْم
( إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْم


الديانة الديانة : الحمد لله على نعمة الاسلام وكفى بها نعمة
الجنسية الجنسية : وطنى هو كل مكان يُذكر فيه ربى جل فى علاه
عدد المساهمات : 7765
العمر العمر : 41
المهنة المهنة : لا حياة بدون عمــــل .. ولا عمل بدون أمــــل !!
الابراج الابراج : القوس
الأبراج الصينية الأبراج الصينية : القط
نقاط : 186557
السمعة : 246
تاريخ الميلاد : 07/12/1975
تاريخ التسجيل : 29/03/2010
الموقع : http://fgec.ahlamontada.com/
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : Senior master of English

مُساهمةموضوع: رد: قصة كلها عبر ومواعظ .. حياة شاب وكأنها خيال . والله سوف يبكي قلبك قبل عينك   2012-01-17, 11:13 pm

ذات ليلة كنت أجلس لأقرأ كعادتي فسمعت طر ًقا خفيًفا على باب الشقة، لم يكن
"مصطفى" بالمترل، وعندما فتحت للطارق فوجئت بأن "أحمد" يقف أمامي، كانت
ملابسه متسخة وممزقة ويغشى وجهه ولحيته التراب، نظر إلي بعيون مسبلة تطل من
وجه زاد نحولا، وهمت شفتاه بالتحرك دون صوت، كأن الكلمات تموت على لسانه
قبل أن تول د، كان قد مر ما يقارب شهرا على ليلة اعتقاله، وها هو يعود الآن وقد
دل مظهره على ما ابتلي به في الأيام المنصرمة، لم يطق "أحمد" الوقوف طوي ً لا فارتمى
على الأريكة وتتابعت أنفاسه بسرعة، وقفت أراقبه بنظراتي ولم أستطع محادثته، إذ
شعرت أن كلامي قد يثقل عليه، وبعد برهة طلب إليَّ فنجانا من القهوة، فأسرعت
لإعداده، وعند عودتي حام ً لا القهوة، شعرت أنه لا يقدر على الكلام، فانصرفت
داخ ً لا غرفتي.
وفي صباح اليوم التالي بدا "أحمد" قد استرد شيًئا من عافيته، وإن كان وجهه يسفر عن
آثار حزن عميق يضرب بجذوره في أعماق نفسه، ويحم ل بصره على التوجه إلى
الأرض، كان لسان ظاهره ينطق بما يكابده، اقتربت منه واتخذت مجلسا بجواره وربت
على كتفه، فرفع إليَّ بصره متكلًفا ابتسامة.
قلت له: كيف حالك الآن؟
قال بصوت مخفوض: الحمد لله.
سألته: ماذا فعلوا بك؟
فأشاح بوجهه عني كأنما آذاه سؤالي، ولمحت دم عة فرت من عينيه فسارع بمسحها كي
لا أراها، وبعد صمت قصير قلت: هون عليك.
فقال: هل يمكنك أن تساعدني في تضميد جراح ظهري؟
قلت: نعم.
فدفع إلي بعلبة إسعافات أولية ورفع قميصه، فهالني ما رأيت، كان ظهره مليًئا بالجروح
والقرح والكدمات وآثار حرق، بينما كان صدره مغطى بالكثير من الضمادات، كان
يظهر جليا أنه تعرض لتعذيب شديد، شرعت في تضميد جراحه وهو يئن كلما
وضعت المحلول اُلمطهر فوق جرح أو قرحة، وبعد انتهائي، نظر إليَّ بامتنان ثم قا ل: أين
"مصطفى"، لم أره منذ عودتي؟
قلت: لا أدري فهو يغيب كثيرا بعد القبض عليك، وأحيانا يبيت خارج المترل.
قال بصوت يفيض بالمرارة: فلندعه يمرح اليوم، فإنه لا يدري ماذا ينتظره غدا.
قلت: عسى الله أن يهديه.
قال: (إن الذين كفروا بعد إيمام ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم).
قلت: وهل تحسب "مصطفى" من أهل هذه الآية؟
قال: نعم.
قلت: لعله لم يكن مؤمنا يوما.
تفكَّر قليلا، ثم قال: ربما.
قلت: فلندع الله أن يهديه.
فسكت "أحمد" وشخص بصره كأنما كره الدعاء، فتركته لألحق بعملي.
***
كان الشتاء قد حل، وكنت في أكثر أيامي أنكب عن "أحمد" و"مصطف ى" وأجلس
وحيدا لأقرأ الكتب التي أستعيرها من صاحب دكان الكتب القد يمة، وقد كان كريما
معي ويعطيني ما أريده ولاسيما بعد أن توطدت صلتي به وتحولت إلى ما يشبه
الصداقة، أما "أحمد" و"مصطفى" فقد عجبت من أمرهما، كانا يتلازمان دائما، وإذا
سمعتهما شعرت أن حديثيه ما يفيض بالمودة، كأن أمامي صورة خداع متبادل يحمل في
طياته كراهية مضمرة، أو هي بغضاء ترفل في ثوب المحبة.
وفي ليلة ظلماء غاب فيها القمر، وهطلت الأمطار بشدة، وهرع الناس إلى بيوتهم
يلوذون بها من صيب السماء، طرق "أحمد" باب غرفتي بشدة، وقبل أن آذن له، دفع
الباب بقوة ودخل قائلا: لقد مات "مصطفى".
قلت منزعجا : ماذا؟
قال: لقد مات، وضعت له سم فئران في الطعام فمات.
قلت: هل قتلته؟
قال: نعم.
قلت بما يشبه الأنهيار: لقد ُقضي علينا إذن.
قال: اهدأ، أريدك أن تساعدني في حمله.
قلت بصوت مرتعش: لا شأن لي بهذا الأمر، انصرف عني.
قال: إما أن تساعدني أو تنتظر معي الحكم بالإعدام.
قلت: ابحث عن غيري ليساعدك، فما أنا بقادر على المشاركة في هذه الجريمة.
قال: ضاقت السبل، ولا أعلم غيرك مساعدا.
قلت وأنا أشعر بأني أتجرع سكرة الموت: وما عسانا أن نصنع؟
قال: سنحمله ونضعه على عربة يجرها حمار تقف أمام المترل وعليها بعض أقفاص
البرتقال، ثم نسير به إلى أول الطريق الصحراوي وندفنه في الصحراء.
قلت: وهل سينتهي أمر قتله كذلك؟ تهمة القتل ستلحق بنا عاجلا أو آجلا.
قال: لا يمكن إثبات القتل أصلا إلا بالعثور على أثر للجثة، ومهمتنا هي إخفاء أي أثر
لها.
قلت: أتركني أفكر قليلا.
قال: لا وقت لدينا، الطريق طويل ولابد أن نعود قبل الصباح.
قلت: وأين جثة "مصطفى"؟
قال: على سريره.
هرعت إلى غرفة "مصطفى" لأرى الجثة، كانت ملقاة على ظهرها، ويبدو على وجهها
علامات الألم، تذكرت يوم موت أبي وأمي، فقد كان ذلك اليوم هو أول عهدي برؤية
من فارقت أرواحهم سياج أجسادهم، وفيه شعرت أن الموت قريب مني، و أنه قوة
قاهرة تمضي في طريقها لتنال ممن ُأريد به أن تنال منه، لا تفرق بين الجبابرة
والمستضعفين، فكل الناس عاجزون أمامها، لا حيلة ولا وسيلة لدفعها، وها هي تنال
من "مصطفى" بعد أن كان يمشي مختالا قبل ساعات.
مددت يدي لألمس شريان رقبة "مصطفى" كي أتيقن من موته، فشعرت ببرودة جسد
لا حياة فيه، سرت قشعريرة في جسدي، ونظرت إلى "أحمد" نظرة إنكار، وقل ت:
سأذهب لأرى الطريق.
قال: الطريق خالي، فالأمطار غزيرة، والوقت يقترب من منتصف الليل.
أسرعت إلى النافذة، ونظرت إلى الطريق، لم يكن ظلامه دامسا، إذ تسللت إليه أضواء
خافتة من م داخل المنازل وأعمدة الإنارة البعيدة، فقلت: لو خرجنا بالجثة الآن قد يرانا
أحد في هذا الضوء الخافت.
قال: ليس أمامنا خيار آخر.
قلت: وأنا لن أجازف بالخروج
صمت "أحمد" قليلا، وبدا عليه التفكير العميق ثم قال: سأذهب إلى محول الكهرباء
المغذي لهذه المنطقة وأفصل التيار الكهربي ولن يستطيع أحد إعادته قبل الصباح.
هرع "أحمد" ليفعل ما عزم عليه، فوجدت نفسي وحيدا مع الميت، كان قلبي ينبض
بشدة، وكدت أشعر أنه سيقفز من صدري فرارا من اضطرام جوفي بلهيب الخوف،
سارعت إلى تفتيش جثة "مصطفى" بيدين مرتعشتين حتى تيقنت أنه لا يحمل أثرا يدل
عليه، ثم كفنته بملاءة السرير.
مرت دقائق مضيت فيها أذرع الغرفة جيئًة وذهابا وأنا أكابد قلًقا موحشا إلى أن تم
فصل الكهرباء عن المنطقة، وبعدها بلحظات عاد "أحمد" والماء يتساقط منه، فحملنا
الجثة ووضعناها على العربة بين أقفاص البرتقال وغطيناها بالقش وج لسنا في مقدمة
العربة، ومضى الحمار يشق طريقه جارا العربة، لم نشعر ببرودة المياه التي غمرتنا، كأن
هول فعلنا قد دمغ إحساسنا، فتبلد شعورنا ليكون لنا نصيب مما أصاب "مصطف ى"،
وبعد ساعتين من المسير دخلنا صحراء جرداء فقطعنا فيها ميلا أو يزيد قبل أن نتوقف.
نظر إليَّ "أحمد" وقال: هنا.
نزلنا من العربة، وشرعنا في حفر القبر وسط الرمال بأيدينا، إذ نسينا إحضار ما يعيننا
على الحفر، وبعد ساعة من العمل المتواصل شعرت بالإعياء المدقع، وكنت قاب قوسين
أو أدنى من الإغماء، فاستلقيت على ظهري، وحجبت وجهي عن عطاء السماء بيدي،
نظر إليَّ "أحمد" مستنكرا ونهرني بشدة لتكاسلي، فاستجمعت قوتي وقمت إليه ولكمته
بقوة في وجهه، فرمقني بغضب شديد وهو يمسح خيط من الدماء سال من أنفه ثم
استأنف الحفر وحده.
وبعد ساعة أخرى كان عمق الحفرة قد بلغ ذراعا ونصف، فتوقف "أحمد" عن الحفر
وسحب جثة "مصطفى" وألقاها في الحفرة وأهال عليها الرمال الصفراء الرطبة.
وفي طريق عودتنا، كنت أشعر بأني مخدر تماما، كأني فقدت سمعي وبصري وَفر عقلي
إلى وادٍ منعزل ينعدم فيه الوعي، ولم َأفِق من تخديري إلا عند وصولنا مترلنا مع خيوط
الفجر الأولى.
كان التعب قد تملكني، حاولت النوم فكانت عيني تغفو قليلا فتداهمني الكوابيس فأنتبه
متلفتا حولي وتنقبض عضلاتي، كأني أتربص بمن سيثِب علي وثبة الموت، ولما انتصف
النهار طرق "أحمد" باب غرفتي ودخل حام ً لا فنجانًا من القهوة، ثم قا ل: اشرب هذا
ليقلل إحساسك بالتعب.
قلت: سأغادر هذا المترل غدا، لن أستطيع العيش هنا بعد اليوم.
قال: سيكون ذلك خطًأ جسيما، يجب أن تمضي حياتنا دون تغيير كأن شيًئا لم يحدث،
فأي تغيير لابد أن يكون له مبرر، وأقل الناس ذكاءً سيربط بين مغادرتنا واختفاء
"مصطفى".
تفكرت قليلا، ورأيت قوة منطقه، فقلت بحدة: ولماذا قتلته؟
قال: لأنه خاننا.
قلت: وهل هذا السبب كاف لقتله؟
قال: نعم، فدماء الكافر مباحة.
قلت: الكافرون عندكم ُ كُثر، ووفق عقيدتكم العجيبة فكل من سمع بجماعتكم ولم
ينضم إليها فهو كافر وكأنكم دولة الخلافة الراشدة، وكل....
قاطعني قائلا بغضب: أصبحت عقيدتنا عجيبة الآن؟
قلت بغضب أشد: نعم، وأنت نفسك خالفتها، فوِْفق ما جاء في ُ كتبِكم لا يجوز لكم
قتل كافر وإن آذاكم واستحق القتل، لأنكم في مرحلة الاستضعاف.
قال: مسألة قتل "مصطفى" مسألة تخصني وحدي، ولو علمت ما ُفعِل بي لقلت أنه
يستحق القتل ألف مرة.
سكت قليلا، فلم ُأعقِّب، فاستطرد قائلا: هل تعرف لماذا تم القبض علي؟
قلت بغير اكتراث: لماذا؟
قال: لأني كنت وسيطا بين الجماعة وإحدى المطابع التي تطبع ُ كتبها، وقد كنت
حريصا على كتمان مكان المطبعة كي لا يتعرض صاحبها للإيذاء، فلم َأبح به لأحد،
فلما عجز مصطفى أن يعرف مكانها مني أخبر مباحث أمن ال دولة بالأمر، فقبضوا علي
لكي يرغموني على البوح بمكانها
قلت: وهل أرغموك؟
قال بلهجة تنم على الأسف العميق: في البداية لم يستطيعوا، فآذوني وساموني سوء
العذاب، ضربوني بأحذيتهم وبمؤامل أسلحتهم وجلدوني، سبوني بما لم أسمع به قط،
كانوا يطفئون أعقاب السجائر في جسدي، ويسلطون علي من يمنعني النوم، حتى
فقدت القدرة على التحمل وأخبرتهم بما يريدون.
سكت برهة، ثم أضاف بصوت يقطر مرار ة: عندما تمتهن كرامتك وتعامل كأنك
حشرة حقيرة لا وزن لها، ستنبت في قلبك بذرة عداوة ترويها رغبة جامحة في الثأر، فلا
تلبث أن تصبح شجرة، ساقها قسوة بلا رحمة، فروعها تثبر فلا تبقي ولا تذر.
قلت: أعتقد أنك تتحدث عن شأن خاص بك، ولا يعنيني.
قال: عليك الآن أن تذهب إلى عملك، وتنسى ما حدث ليلة أمس.
قلت مستنكرا: أتريدني أن أنسى؟
قال وهو يغادر غرفتي: لا تفكر فيما حدث وستجد النسيان يسيرا.
خرج "أحمد" من المترل، وبقيت فيه وحيدا، دخلت غرفة "مصطفى"، كانت رائحة
الموت لا تزال تفوح منها فأستشعرها بعقلي وتغشاني الرهبة، مر طيف "مصطفى"
بخيالي، فتسارعت نبضات قلبي، طفت بعيني في أرجاء الغرفة أتأمل متاعها القليل فلفت
نظري منضدة عليها بعض الأوراق، امتدت يدي تعبث بالأوراق، فالتقطت من بينها
ظرف رسالة مغلق ُ كتِب عليه اسم ثلاثي وعنوان في دولة العراق، كان واضحا من
اسم المرسل إليه أنه شقيق "مصطفى"، دفعني الفضول إلى قراءة الرسالة التي لن تجد
سبيلا إلى صاحبها، ففتحت الظرف وأخرجت منه ورقة جاء فيه ا: ( .... واعلم يا
أخي أن خطابك الأخير قد ترك أثرا بالغا في نفسي، فقمت بتقديم استقالتي، ولكنها
 رفضت، والآن أصحبت مسيرا كالأسير لا أجد فِكاكا من عملي، لو هربت
سيطاردونني ويحاكمونني محاكمة عسكرية.... لقد عاشرت قوما من جماعة التكفير في
الشهور الماضية لا أستطيع أن أصف لك كرمهم ونبل أخلاقهم وسماحتهم مع ما
يحملونه من توجهات دينية شاذة، عندما أخبرتهم بأني أبحث عن عمل عرضوا علي
المساعدة بالمال حتى أجد عملا، رأيت قوما يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم
خصاصة في زمان يؤثر أهُله أنفسهم ولو كانوا يمتلكون كل زينة الدنيا ومتاعبها، ما
داخلني شك قط في صلاح نيتهم ولكن ليس كل مريد للحق يصيبه، كان َأحبهم إلى
قلبي "أحمد" رفيق سكني الذي حدثتك عنه، لقد علمني الكثير من أمر ديني بعد عشت
حياتي جاهلا به، فخرجت من الظلمات إلى النور، كم آلمني تعرضه وآخرين للإيذاء
بعد أن وشيت بهم إلى مباحث أمن الد ولة.... سأتقدم بطلب لنقلي إلى عمل إداري،
فإن  رفض طلبي سأتأهب لمحاكمة عسكرية فالسجن أحب إليّ من وطأة ألم الوشاية بمن
أحببتهم....).
وبعد قراءتي لهذه الكلمات شعرت بانقباض شديد في صدري، وتسلل إلى الغرفة شعاع
من ضوء الشمس بعد أن انقشعت غيوم السماء.
أدخلت الرسالة في الظرف مرة أخرى، وَأولجت الظرف في ظرف آخر كتبت عليه
(لولا غشاوة أبصارنا ما عرفنا الندم) ودسست الظرف تحت باب غرفة "أحمد"
وانصرفت، وعندما عدت في المساء سمعت صوت بكاء يشبه الأنين ينبعث من الغرفة.




للقصه بقيه وانتظروا واصبروا علي قراءتها ففيها والله عجبا

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fgec.ahlamontada.com
الغريد الأسيف
( إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْم
( إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْم


الديانة الديانة : الحمد لله على نعمة الاسلام وكفى بها نعمة
الجنسية الجنسية : وطنى هو كل مكان يُذكر فيه ربى جل فى علاه
عدد المساهمات : 7765
العمر العمر : 41
المهنة المهنة : لا حياة بدون عمــــل .. ولا عمل بدون أمــــل !!
الابراج الابراج : القوس
الأبراج الصينية الأبراج الصينية : القط
نقاط : 186557
السمعة : 246
تاريخ الميلاد : 07/12/1975
تاريخ التسجيل : 29/03/2010
الموقع : http://fgec.ahlamontada.com/
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : Senior master of English

مُساهمةموضوع: رد: قصة كلها عبر ومواعظ .. حياة شاب وكأنها خيال . والله سوف يبكي قلبك قبل عينك   2012-01-17, 11:13 pm

ملحوظه


هذه القصه حقيقيه



وقد وجدت كمذكرات تحت أنقاض بيت في


أفغانستان عقب احتلال الأمريكان لها


لأن هذا الشاب _واسمه خالد عبدالله_قدسافر للجهاد في أفغانستان


كما سياتي ان شاء الله


_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fgec.ahlamontada.com
الغريد الأسيف
( إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْم
( إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْم


الديانة الديانة : الحمد لله على نعمة الاسلام وكفى بها نعمة
الجنسية الجنسية : وطنى هو كل مكان يُذكر فيه ربى جل فى علاه
عدد المساهمات : 7765
العمر العمر : 41
المهنة المهنة : لا حياة بدون عمــــل .. ولا عمل بدون أمــــل !!
الابراج الابراج : القوس
الأبراج الصينية الأبراج الصينية : القط
نقاط : 186557
السمعة : 246
تاريخ الميلاد : 07/12/1975
تاريخ التسجيل : 29/03/2010
الموقع : http://fgec.ahlamontada.com/
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : Senior master of English

مُساهمةموضوع: رد: قصة كلها عبر ومواعظ .. حياة شاب وكأنها خيال . والله سوف يبكي قلبك قبل عينك   2012-01-17, 11:14 pm

<2>

لم أكن أتطرق في حديثي مع "أحمد" إلى حادث مقتل "مصطفى"، كنا نتجاهله تماما كأنه


لم يكن يوما، ولا أدري ما الباعث على هذا التجاهل، لعلها الرغبة في درء تلك
الذكرى إلى ظلمات النسيان لئلا تبقى حاضرة فتأجج آلامنا باضطرامها، ولم يأت أحد
لسؤالنا عن غياب "مصطفى"، وقد أوقع ذلك في نفسي حيرة بالغة، إذ خالف ما
انتظرته.
كنت و"أحمد" نمضي إلى أعمالنا نهارا ونلتقي ليلا ندرس الكتب التي أستعيرها من
دكان الكتب، كنت أريد أن أصل معه إلى اتفاق في الحكم على جماعة التكفير
والهجرة، وبدا لي ذلك يسيرا، إذ كان من أسس منهج الجماعة تكفير المقلدين في
الدين، وكانت هذه الق اعدة هي السبيل إلى الحكم على فكرها دون قيود من فهم أحد
يلزمنا تقليده ولو كان إمام الجماعة، فكأن منهج الجماعة كان قد بني على ما يهدمه،
وذلك على خلاف أكثر الفرق الدينية التي تلزم أتباعها بالتقليد.
كان "أحمد" أكثر مني علما وفقها، وكنا نمضي ليلنا نقرأ ونناقش، وبعد مجادلات شاقة
توصلنا إلى اتفاق على أن جماعة التكفير والهجرة ليست جماعة المسلمين التي يجب على
المسلم لزومها، وما جماعة المسلمين الحقيقة إلا دولة خلافة تستمد وجودها من التمكين
وتستمد شرعيتها من العمل بالكتاب والسنة، ومن َثم فلا وجود لها بغير تمكين وقوة
وحدود وإمام يسوسها، وكل ما عدا ذلك لا يتعدى فِرًقا أو شيعا أو مسلمين متفرقين.
في البداية كانت دولة الخلافة الإسلامية لا تتعدى أن تكون منظومة نظرية نتخذها
مادة للنقاش، ثم بدأت نفسي تهفو إلى تلك الدولة الغائبة، تمنيت لو تجاوزت أسوار
الخيال لتصبح و اقعا نحياه، ودب في قلبي حنين لها يغشاه الضعف ويحيط به الحسرة، ولم
يمنعني ذلك من أن أقيم تلك الدولة في مخيلتي، وألوذ فرارا من وطأة واقعٍ لا تجد
إليه سبيلا.
***
وذات يوم عقب صلاة الجمعة، كنت أقف ُأقلِّب بعض الكتب في دكان الكتب
القديمة، وتجري عيني على بعض سطورها محاولا أن َأحوط علما بشيء من محتواها،
ليكون ذلك ضاب ً طالما أختاره للاستعارة من بينها، وأخبرني صاحب الدكان أنه
سيمضي كي يحضر بعض المياه المثلجة عساها أن تخفف من لهيب زفرات رياح
الصيف الساخنة، وبينما أنا على هذه الحال دخل شاب فطلب كتابا لابن القيم، كان
شابا نحيًفا، يرتدي جلبابا قصيرا ناصع البياض، ووجهه مزين بأثر السجود ولحية كثة،
فأشرت إليه أن انتظر قليلا حتى يعود صاحب الدكان، فخاطبني قائلا: لم َأرك في
الدكان من قبل، أأنت حديث العهد بالعمل هنا؟
قلت: كلا، ما أحضرني هنا إلا ما أحضرك.
فتبسم وقال بمودة: أنا أخوك "حمزة الأناضولي" من منطقة (العتبة).
قلت متبسما بدوري: وأنا "خالد عبد الله" من مدينة (بنها).
قال رافعا حاجبيه بدهشة : بنها؟
قلت: نعم، أيدهشك ذلك؟
قال بصوت يشوبه الحياء: لا..لا.
ثم استطرد: وهل تأتي كثيرا إلى القاهرة ؟
قلت: أنا مقيم هنا منذ عام أو يزيد.
قال: لأجل العمل أم الدراسة؟
قلت: العمل.
قال: وأين تصلي؟
قلت: في مسجد قريب.
قال: هل تعرف مسجد الرحمة؟
قلت: كلا.
قال: هناك درس أسبوعي يوم الجمعة عقب صلاة المغرب في مسجد الرحمة، فهل هناك
ما يعيقك عن حضوره؟
قلت:كلا، صِف لي مكانه؟
فوصف لي "حمزة" مكان المسجد على عجل، إذ كان صاحب الدكان قد عاد فباع له
الكتاب الذي جاء لأجله طالبا.
لم يكن مسجد الرحمة بعيدا، ولما عرضت على "أحمد" حضور درس الجمعة لم يبدِ
اعتراضا، شعرت بأن درس الجمعة طوق نجاة سينتشلنا من وحشة عزلتنا، بعد أن
فارقنا جماعة التكفير والهجرة وعكفنا على طلب العلم في مترلنا.
كان مسجد الرحمة كبيرا، أورثني هيبة عندما دخلته لأول مرة، وبعد انقضاء درس
الجمعة صلينا العشاء، ثم بدأ رواد المسجد يتصافحون بوجوه يعلوها البشاشة وتنضح
بالمحبة كأنهم جميعا أصدقاء مقربون، نظرت إلى "أحمد" نظرة يشوبها شيء من الخجل، إذ
لم يأت أحد ليصافحنا، فتبسم كأنه علم ما في نفسي، ومد يده ليصافحني بشوقٍ كأنه
لم يرني منذ زمن بعيد، وبينما نحن في تصنعِنا شعرت بيدٍ توضع على كتفي فالتفت
لأجد "حمزة" بين يدي متبسما، فعرفته إلى "أحمد"، وبعد حديث قصير طاف بنا على
رواد المسجد لنتعارف، كان "حمزة" ذا أدب جم، أسمعه فأخال كلماته تنفذ بوقعها إلى
القلب فاتحة أقفاله.
***
دنا شهر رمضان، وأصبح لا يحول بيننا وبينه سوى أيام قلائل، وذات جمعة عقب
انتهاء الدرس قام أحد المصلين بتوزيع (إمساكية) رمضان على الحاضرين، وفي طريق
عودتنا كان "أحمد" يتأمل (الإمساكية) التي تحدد مواقيت الصلاة وموعد الإمساك عن
الطعام قبل أذان الفجر بعشرين دقيقة، ثم تنهد بعمق وقال بصوت آسفٍ: بدعة
جديدة.
حفزني قوله إلى النظر في (الإمساكية)، رحت أتأملها، وأتتبع بعيني سطورها، فوقع
بصري على كلمات ُ كتبت على ظهرها تحت عنوان (ميثاق العمل الإسلامي)، جاء من
بينها: (غايتنا:تعبيد الناس لربهم، إقامة خلافة إسلامية راشدة على منهاج النبو ة)،
كانت الكلمات مذيلة بتوقيع (الجماعة الإسلامية)، أثارت الكلمات في نفسي حنينا
دفينا، فها أنا أجد من يشاركني في غاية إقامة دولة الخلافة، ثم شعرت بأني أدخل ُلجة
عميقة من الحيرة، فما معنى هذا التوقيع الغامض؟ هل الجماعة الإسلامية فرقة جديدة؟،
نظرت إلى "أحمد" لعلي أجد عنده ما يدرأ حيرتي، فسألته: هل سمعت بالجماعة
الإسلامية من قبل؟
قال: نعم، ألا تعلم أن مسجد الرحمة يتبعها؟
قلت: نعم، من أين لي العلم؟
فحدجني ببصره وقال: سبحان الله.
قلت مغيرا سياق الحديث: وماذا تقول في أمر هذه الجماعة؟
قال: تجمع بين الصواب والخطأ.
قلت: وما الخطأ؟
قال: التقليد.
ولوح (بالإمساكية) مستطردا: وهذا خير شاهد.
قلت: أطمع في زيادة بيان.
تنهد بعمق، وبدا أنه يستجمع أفكاره، ثم قال: عندما ينشأ الإنسان وسط طوائف
مجتمعة من البشر فإنه يميل بطبعه إلى مسايرة التوجهات الاجتماعية أو الدينية أو
الفكرية الشائعة في مجتمعه، فيدينها دون تَفكُّر إيمانا منه بأن هذه التوجهات إنما هي
ثمار العقول النيرة، ولولا صوابها ما حققت ذلك الشيوع، فحري به أن يتبع ما أجمع
أولو العقول على صوابه.
سكت برهة، ونظر إليَّ، فأومأت برأسي مشجعا إياه على الاسترسال فقال: أقرت
طائفة تفضيل الإمساك عن الطعام قبل أذان الفجر بعشرين دقيقة، وأقرت طائفة أخرى
للفجر أذانا واحدا، واتبع آخرون أولئك وهؤلاء دون تَفكُّر، فشاع الأمر ولزم
الباقون إتباعه، فوصلتنا هذه (الإمساكية)، وقِس على ذلك ما لا يحصى مما يشيع في
بلادنا، وعند الجماعات الدينية سنحدث تعديلا يسيرا، ونستبدل أقوال كبراء الجماعة
بالتوجهات الشائعة.
قلت: وما الأخطاء الأخرى؟
قال: أحسبك تعلم الخطأ الأكبر لكل الفرق والجماعات!
قلت: أهو تفريق الدين؟
قال: نعم.
قلت: أترى الجماعة الإسلامية تفرق دينها؟
قال: لا، فالجماعة المفرقة لدينها تجعل من نفسها الغاية واُلمنتهى ولا تجيز لأحد مجاوزتها
إلى جماعة أخرى أو غاية أسمى، فهي تقوم على التميز لا الاتحاد، وهذه الصفة لا تكون
إلا لدولة الخلافة الراشدة.
قلت متبسما: هذا ما أقنعتك به بعد جدال مرير، هل تذكره؟
فتبسم بدوره قائلا: وهل ذلك مما ينسى؟
كنا قد وصلنا منزلنا، فجلسنا في ردهته، ثم قلت: هل تحسب عمرنا سيطول حتى نرى
دولة الخلافة؟
قال: ذلك من أنباء الغيب، ولا يعلمها إلا الله.
كنت أحوم بقلب كسير حول أمنية إقامة دولة الخلافة الإسلامية، فهي أمنية  حرمت
السبيل إلى تحقيقها، وليس للإنسان ما تمنى متى عدم السبيل إليه، إن أفكارناتساق
دائما للطواف بما نتمناه وإن كان بعيد المنال حتى نناله أو ننساه، ولكن ليست كل
الأماني سواء، فلم تكن أمنيتي مما يطوى في غياهب النسيان وإن طال العهد بانتظارها.
***
في اليوم الثاني من شهر رمضان دعانا "حمزة" إلى الإفطار في مترله، وفي جو مشبع
بالمودة أفطرنا، وجرت ألسنتنا بحديث طيب، حتى إذا انتهينا من طعامنا قال "حمزة":
شرع بعض إخواننا في إعداد أسباب القوة لأجل الجهاد في سبيل الله.
فتساءل "أحمد": وماذا أعدوا من تلك الأسباب؟
رد "حمزة": جمعوا المال والسلاح وتدربوا على استخدام الأسلحة، وأخرجوا فقه
الجهاد من ُلجة الكتمان.
نظر إليَّ "أحمد" نظرًة ذات معانٍ مبهمةٍ، ثم قا ل: ألا يحظر حيازة الأسلحة على غير
العسكريين؟
رد "حمزة": بلى.
قال "أحمد": قد يتعرض هؤلاء الإخوة بذلك إلى التنكيل من قبل أصحاب السلطة.
فقال "حمزة" متبسما: فالله خير حافظا
مرت برهة من الصمت، فأردف قائلا: وددت لو لحقتما بالتدريب، فمازلنا نعاني من
نقص العدد.
كنت أتابع الحوار صامتا، وما أن سمعت تلك الدعوة حتى خرجت من صمتي، وسألت
بصوت يخالطه الشغف: هل يتدرب هؤلاء الإخوة تحت راية الجماعة الإسلامية؟
فرد "حمزة": كلا، بل تجمعوا من روافد عديدة رافعين راية الجهاد.
تساءلت: وأين يتدربون؟
فأجاب"حمزة": في جبل (اُلمَقطَّم).
قلت: وما غايتهم؟
قال: إسقاط الحكومة وإقامة خلافة إسلامية.
كان وقع هذه الجملة شديدا، فخيم علينا صمت طويل ثقيل، فقطعه "حمزة" قائلا: هل
ستنضمون إلى تدريباتنا؟
فرد "أحمد": ذرنا نبحث الأمر.
تفكَّرت مليا في كلام "حمزة"، شعرت أنه يعرض علينا المضي في طريق معقد تعقيدا
شديدا وينذر بمصاعب جمة، وبدا أن هؤلاء المتدربين على القتال تأخذهم حماسة هوجاء
لا يعلمون عاقبتها، وهم بين أمرين إما أن يظلوا محدودي العدد والعدة، كي يستطيعوا
العمل في الخفاء أو يكثروا فيفتضح أمرهم عند السلطات الحاكمة فينكل بهم
ويشردون.
وما أن عدت مع "أحمد" إلى مترلنا حتى وجدته يسبقني إلى الولوج في الأمر، فقال:
ذكرتني دعوة "حمزة" بأحداث الفنية العسكرية.
صمت برهة، إذ مر بذاكرتي الحادثة الشهيرة التي وقعت قبل عامين عندما حاول
مجموعة من طلاب الكلية الفنية العسكرية الاستيلاء على الأسلحة والمدرعات
الموجودة في الكلية واستخدامها في القبض على رئيس الجمهورية مع كبار قيادات
الدولة أثناء اجتماعهم، لإجبارهم على التنازل عن الحكم، ثم تعيين رئيس جديد للبلاد
يلتزم بإقامة حكومة إسلامية، ولكن باءت محاولتهم بالفشل بعد أن ُقتل نصفهم
قلت: لا يخفى علي خطورة الأمر، وعدم جدواه، ولو ُقدر لتلك المجموعة قتال
الحكومة فستلقي بأيديها إلى التهلكة لعدم التكافؤ العددي، وقد تهدر دماء رجالٍ
يسجدون لله من الجانبين.
شخص "أحمد" ببصره، ثم قال: كم تمنيت عرضا كهذا الذي أتانا.
فاجأتني مقولته، فسألته: أتشير إلى قبولك اللحاق بهم؟
قال: نعم، فعرضهم أخرج من مكامن نفسي رغبة دفينة في الثأر.
قلت: سحًقا لتلك الرغبة، ألم يكفِك ما فعلته "بمصطفى".
قال: ما زالت فروع الشجرة تبحث عمن تثبره.
قلت: وهل ستسلم أنت من الثبور؟
قال: لو مات الخوف في قلوبنا لاقتحمنا المهالك آمنين.
قلت: وكذلك لو علت الغشاوة أبصارنا لاقتحمنا المهالك آمنين.
فنظر إليَّ بحدة، ولاذ بصمتٍ غامض.
كنت أعرف معنى هذه النظرة المتبوعة بالصمت، فأحسست بيأس عميق يتملكني، ولم
أعد أرجو أملا في ثني "أحمد" وقد علمته عنيدا، فقلت له: عليك بصلاة الاستخارة
قبل اُلمضي في الأمر، وعسى الله أن يصرف عنا الشر.
***
أشرق صباح يو م الفطر، وخرج الناس من ديارهم خفاًفا وثقالا، مكبرين مهللين،
مهطعين صوب الميادين لأداء صلاة العيد، وتلفَّعت الطرق بجموع السائرين، وغشيتهم
خيوط الشمس الأولى فبثت فيهم غبطة وفرحة، وتضوع النسيم بشذا الطِّيِب.
وبينما كنت أقف مع "أحمد" عقب الصلاة أقبل علينا "حمزة" باسم الثَّغر، ينطق وجهه
بالحب والشوق، وبعد عبارات التحية والتهنئة المعتادة قال "حمزة" موجها حديثه إلي :
لماذا لم تلحق بالمتدربين على القتال كما فعل أخونا "أحمد"؟
قلت: هذا الطريق ينذر بخطر محدق، ويبدو لي غير مجدٍ.
قال: وما الطريق الذي تحسبه مجديا؟
صمت هنيهة أفكر قبل أن أقو ل: الصدع بوعظ رجال الحكم ودعوتهم إلى العمل
بالكتاب والسنة حتى يتبين لهم الرشد من الغي.
قال: قد فعلها قوم قبلنا، فما أغنت النذر.
قلت: وقد قاتل قوم قبلكم أهل الحكم، فما أغنى القتال، فأي السبيلين أحق أن يتبع،
سبيل يسلم أهُله أم سبيل ينذر بالهلاك؟
قال: والله ما  سلِم أهل الدعوة، بل  عذبوا وطوردوا في البلاد، وامتلأت بهم السجون،
وما نقِم منهم إلا أن يدعوا إلى إقامةِ حد شرعي أو منع تصنيع الخمور وبيعها جهارا أو
إغلاق بؤر الفسق والفجور.
قلت: ذلك أنهم لم يحسنوا الدعوة بالح كمة والموعظة الحسنة، فأغلظوا القول وارتدوا
ثياب المعادين الكارهين.
قال: الدعوة وحدها لن تقيم خلافة إسلامية تضر المصالح العاجلة للحاكمين.
فوقع قوله في نفسي وقعا أثار شجونها، فقلت: عسانا أن نعبد الطريق للذين
سيخرجون من أصلابنا، فيقيمونها.
قال: أنت تعطِّل العمل بأمر الله لنا بالإعداد والجهاد.
قلت: لا أعطله، ولكن الجهاد يلزمه  حسن التوجيه.
قال: أرأيتنا لا نحسن توجيه الجهاد؟
قلت: نعم.
قال: وكيف ذلك؟
قلت: فلنقل مثلا إن فريًقا يريد اتخاذ سبيل القتال لإسقاط الحكومة مثلكم، ألا يتفق
بذلك أحد أهدافه مع أهدافكم؟
قال: بلى.
قلت: ولنقل مث ً لا إن هذا الفريق يخشى قوة الحكومة وبطشها، فأعرض عن قتالها إلى
حين، فمتى تحسبه سيشرع في الانقضاض عليها؟
قال: عندما تضعف الحكومة.
قلت: ألا ترى إن قتالكم الحكومة سيؤدي إلى هذا الضعف؟
قال: بلي
قلت: إذن فقتالكم الحكومة سيكون لصالح هذا الفريق، إذ سيمهد له الطريق إلى
الانقضاض عليها.
قال: هذا صحيح، ولكن ما الصلة بين افتراضك هذا وإحسان توجيه الجهاد؟
قلت: لو قلنا إن هذا الفريق هو إسرائيل هل ستدرك الصلة؟
صمت "حمزة" برهة، ثم قا ل: لو نعلم طريقًا إلى اليهود لقاتلناهم، ولكن  عدمنا الطريق
إليهم، فكان إسقاط الحكومة هو السبيل الذي سيفتح الطريق إلى قتال اليهود.
قلت: أراك أقررت بأن إسرائيل ستنقض متى ضعفت الحكومة، وأن قتالكم الحكومة
سيكون لصالح اليهود، فلا تبنِ أم ً لا على وهم.
كان "أحمد" يستمع إلى حوارنا صامتا، ولما نحا الحوار إلى هذا النحوتدخل قا ئلا: لا
صلة بين توجيه الجهاد والإعداد له، فمن أراد الجهاد سيعد له العدة، وعند إتمام
الإعداد يمكن بحث مسألة التوجيه.
قلت: وهل يمكن إتمام الإعداد على أرض كارهِيِه بعيدا عن العيون الراصدة؟
شخص "أحمد" ببصره كأنما تذكر أمرا، ثم قال: ربما.
قلت: كأنك تتناسى!
قال: فلنفقأ العيون الراصدة كي نتم الإعداد آمنين.
قلت: أخشى أن تكون غايتك هي الَفقأ وحده.
نظر "أحمد" إليَّ طويلا، ثم لاذ بالصمت، فسكت ولم يعقِّب.
كان "أحمد" ذكيايحسن النظر إلى الأمور، وكان شديد الشكيمة لا يردعه رادع عما
عزم عليه، وإن أخطأ لا يستكبر أن يرجع إلى الحق ، َ كيوم أقر أنه ما كان له أن يقطع
رحِمه ويفارق أسرته إتباعا لمنهج جماعة التكفير والهجرة، فلم يكن يحيد به عن سبيل
الحق هوى ولا كبر، كنا نختلف في كثير من الأمور، فنرد ما تنازعنا فيه إلى الله ورسوله
حتى يفصل التراع ويقر أحدنا بخطئه، ولكن لم نتفق هذه المرة، إذ أصر على أن يسلك
طريق السلاح، تدفعه الرغبة في الثأر ممن ساموه سوء العذاب دون ذنب اقترفه، كانت
تلك الرغبة تغرر به وتعمي بصيرته عن رؤية المخاطر رؤية صافية لا تكدرها غيوم
عقله، أو لعله لبث يخدع نفسه مكذبا ما أدركه عقله.
***
أصبح "لأحمد" موعد ثابت للتدريب صباح يوم الجمعة، فكنت أرى عينيه تفيضان
بالحماس عقب صلاة صبح ذلك اليوم، ويظهر على وجهه آيات السعادة، وينبض قلبه
فرحا، ويشرع في رحلته إلى ميدان التدريب فيبدو كأنه ذاهب ليدرك فوزا عظيما،
وكنت على نقيضه في ذلك اليوم، أنتظر عودته ساعا تٍ تنطوي بطيئة ثقيلة، وتضل
أفكاري بين أطياف القلق والحيرة ثم لا تلبث أن تنجذب بشدة إلى مكامن الخوف، فلا
أملك إلا الدعاء له بالخير وصرف الشر.
ومع مضي الأيام بدأت مشاعر الخوف والقلق عندي تتوارى خلف جدران من الأمن
صنعها الاعتياد، فهكذا الأمور التي تبدو شديدة ا لرهبة في مطلعها، تزول رهبتها سريعا
عندما نألفها ويطول عهدنا بها.
وفي صباح يوم جمعة دعاني "أحمد" إلى مرافقته في ذلك اليوم استثناءً إلى التدريب، فلما
أظهرت له عدم الاكتراث، ألحَّ علي بالطلب، فاستجبت له، ولست أدري هل منعني
الحياء أن أرد طلبه، أم دفعني الفضول إلى إجابته.
وقبل مطلع الشمس مضينا في طريقنا إلى جبل المقطم حيث ساحة التدريب، حملتنا
إحدى سيارات الأجرة إلى منطقة المقطم، وأكملنا الطريق سيرا على الأقدام، كنا نسير
في منطقة صحراوية تلفَّعت بالأحجار والتلال والكثبان الرملية، كانت الأرض من
حولنا مواتا لا حياة فيها، صامتًة إلا من صفير خافت للرياح، ونداء طيور تحلق في
الأفق البعيد.
صعدنا ت ً لا طويلا متعرجا ولاح خلفه أرض جرداء يزين أديمها بعض النباتات
الصحراوية، ويترامى على أرجائها قوائم خشبية وكتل حجرية وعربات يجرها الخيل
محملة بالأسلحة الخفيفة، وقد تجمع على تلك الأرض مائة ونيف من الرجال، انضم
إليهم "أحمد" على عجل، كانوا يعدون بخطوات سريعة في صفوف منتظمة، فأشعر
بالأرض ترتج تحت أقدامهم، وتلفظ غبارها فيغشى وجوههم ولحاهم، وبعد حين
جعلوا يؤدون بعض التمارين المقوية للأبدان، ثم شرعوا في التدريب على المصارعة
والقتال اليدوي، وظلوا على ذلك حتى حان موعد استخدام الأسلحة التي لم تتعد
المسدسات والبنادق الآلية، فكانوا يتدربون على المناورات ويوجهون نيران أسلحتهم
إلى أهداف محددة أثناء تحركهم، كان لسان حالهم ينطق بصلابة معدنهم، وقوة
عزيمتهم، وكانت روعة الإعجاب تشعرني بح نين إلى أن ألحق بهم، ثم لا ألبث أن ُأعيد
حنيني الموءود إلى مثواه في َلحد العقل.




<3>







كانت الأيام الآمنة تمضي كرؤيا سريعة الزوال، ففي يوم جمعة عاد "أحمد" مبكرا من



تدريبه المعتاد، ودخل مهرولا لاهثًا زائغ البصر، فجلس هنيهة يلتقط أنفاسه، ثم قال:
ُقبِض أمس على نفر من الإخوة، فُألغِي التدريب.
قلت بصوت متهدج: لقد صدق حدسي، وها هي العيون الراصدة لم تنم عنكم.
لاذ "أحمد" بالصمت، فأردفت: هل يمكن أن تحاكموا بصنيعكم؟
قال: لا يمكن توجيه اتهام لنا إلا بعد العثور على الأسلحة، لذلك تم إخفاؤها بحرص
بالغ، إذ قام أحد إخواننا بإخفائها في مكان آمن لا يعلمه غيره، وقيل لي أنه ليس من
المتدربين.
قلت: وماذا ستفعل؟
قال بصوت يشوبه القلق: لم أتخذ قرارا بعد.
خرجنا إلى صلاة الجمعة قاصدين مسجد الرحمة كعادتنا، وبعد انقضاء الصلاة، اقترب
أحد المصلين من "أحمد" وَأسر إليه حديًثا، فلما خرجنا من المسجد قال "أحمد": حذرني
أحد الإخوة من مغبة المكوث في محل سكني الأيام القادمة، وأوصاني بمفارقته عاجلا
حتى تظهر حقيقة الأمور.
قلت: وهل ستغادر؟
قال: نعم، سأحزم أمتعتي فور عودتي، وأنصحك أن ترحل معي.
قلت: وما شأني أنا؟
قال: لو لحق بنا اتهام قد يلحق بك مثله.
قلت بصوت ينم على الدهشة: وما اتهامي؟
قال: اتهامك أنك كتمت أمرنا ولم تشِ بنا.
قلت: إذن فلنرحل معا.
مضينا في سيرنا، وكظمت حنقي على "أحمد" في صدري، ليته استمع نصيحتي يوم
حذرته من سوء عاقبة السبيل الذي اختاره، ولكنه لم يعتد بنصحي وغلب ه اندفاعه
ورغبته الجامحة في الثأر، وها هو يوشك أن يفر فرار اُلمطاردين دون أن يمضي ثأره.
ولما اقتربنا من مسكننا ولم يعد يفصلنا عنه سوى خطوات قلائل، انقض علينا أربعة
رجال، كما ينقض الأسد الجائع على فريسته، فأعجزوني عن الحركة، أما "أحمد" فكان
سريع التصرف، إذ استطاع أن يلكم أحدهم لكمة في فكه السفلي وأدهشني أن أرى
الرجل يسقط مغشيا عليه من أثر اللكمة، ثم قام بدفع رجل آخر وانطلق يعدو، ولكنه
لم يبتعد كثيرا، إذ حاصره رجال من كل اتجاه وأمسكوا به، وكانوا يرتدون ملابس
المدنيين فلميستطع تمييزهم.
ساقنا الرجال إلى سيارة شرطة، وكبلونا بالأصفاد




للقصه بقيه وانتظروا

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fgec.ahlamontada.com
الغريد الأسيف
( إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْم
( إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْم


الديانة الديانة : الحمد لله على نعمة الاسلام وكفى بها نعمة
الجنسية الجنسية : وطنى هو كل مكان يُذكر فيه ربى جل فى علاه
عدد المساهمات : 7765
العمر العمر : 41
المهنة المهنة : لا حياة بدون عمــــل .. ولا عمل بدون أمــــل !!
الابراج الابراج : القوس
الأبراج الصينية الأبراج الصينية : القط
نقاط : 186557
السمعة : 246
تاريخ الميلاد : 07/12/1975
تاريخ التسجيل : 29/03/2010
الموقع : http://fgec.ahlamontada.com/
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : Senior master of English

مُساهمةموضوع: رد: قصة كلها عبر ومواعظ .. حياة شاب وكأنها خيال . والله سوف يبكي قلبك قبل عينك   2012-01-17, 11:15 pm

مضينا في سيرنا، وكظمت حنقي على "أحمد" في صدري، ليته استمع نصيحتي يوم
حذرته من سوء عاقبة السبيل الذي اختاره، ولكنه لم يعتد بنصحي وغلب ه اندفاعه
ورغبته الجامحة في الثأر، وها هو يوشك أن يفر فرار اُلمطاردين دون أن يمضي ثأره.
ولما اقتربنا من مسكننا ولم يعد يفصلنا عنه سوى خطوات قلائل، انقض علينا أربعة
رجال، كما ينقض الأسد الجائع على فريسته، فأعجزوني عن الحركة، أما "أحمد" فكان
سريع التصرف، إذ استطاع أن يلكم أحدهم لكمة في فكه السفلي وأدهشني أن أرى
الرجل يسقط مغشيا عليه من أثر اللكمة، ثم قام بدفع رجل آخر وانطلق يعدو، ولكنه
لم يبتعد كثيرا، إذ حاصره رجال من كل اتجاه وأمسكوا به، وكانوا يرتدون ملابس
المدنيين فلميستطع تمييزهم.
ساقنا الرجال إلى سيارة شرطة، وكبلونا بالأصفاد، وعمدوا إلى دفعنا فيها بقوة، كأنهم
يتأذَّنون بمغبة مقاومتهم، انطلقت بنا السيارة تشق طريقها نحو وجهتها، وكانت وجوه
الرجال يلوح عليها سعادة الظافرين وهم يحيطون بنا في صندوق السيارة الحديدي،
وجهت ناظري إلى "أحمد" كأني أستغيث به، ولكن وجهه كان ممتقعا ونظراته شاردة
فبدا كالغريق وسط أمواج صاخبة.
ُأنزلنا من السيارة عند مركز للشرطة، ودفعنا جندي إلى حجرة فيها منضدة يجلس
خلفها شرطي ذو شارب كث، قام رجل آخر بتفتيشنا، وجردنا من كل ما نحمله من
نقود وأوراق وبطاقات الهوية، ولم يخف علي دسه نقودنا في جيبه، ولاح على شفتيه
ابتسامة المغتنم، وبعد انتهائه ساقنا الجندي إلى حجرة تنبعث منها رائحة كريهة
ويحتجز فيها أكثر من عشرين رجلا، فقام بتحريرنا من أصفادنا ودفعنا داخل الحجرة،
وأغلق بابها.
كانت أعين الحاضرين ترمقنا متفحصة، فتجاهلتها، نظرت إلى "أحمد" وأمطرته عيني
بأسئلة لا حصر لها وعجز لساني عن بيانها، فوضع يده على كتفي متصنعا التبسم،
وقال كأنه يقرأ ما في نفسي: لا تحزن إن الله معنا.
طافت نظراتي بالحجرة، فإذا بها تكاد تئن ضيًقا بمحتجزيها، أرضها غير مستوية،
جدرانها كالحة متشققة، يشهد تساقط طلائ ها بما مر عليه من دهر طويل، لا يكاد
الهواء يسري فيها، إذ تخلو من النوافذ إلا نافذة صغيرة ترتفع نحو ثلاثة أذرع ويغلقها
قضبان من حديد علاه الصدأ

مشهد المحتجزين معنا أثار في نفسي اشمئزا  زا، شعرت أني ُقرنت بطائفة من أرباب
الضلال الراسخين في الإجرام، فمنهم من تحولت جلودهم إلى لون داكن من أثر
امتزاج العرق بالأتربة، ومنهم من طال شعر رأسه فجعل يحكه بقوة من حين لآخر،
ومنهم من ظهر علي ساعده و ً شما خبيًثا يسفر عن استجابته لأمر الشيطان.
كان ينبعث من الحجرة رائحة تشبه رائحة المراحيض، ففي أحد أركاا  وضِع دلو
ليستخدمه المحتجزون في قضاء حاجتهم، شعرت برغبة قوية في التقيؤ، فقاومت رغبتي
وأغلقت عيني محاو ً لا أن أوهم نفسي باعتزال هذا المكان المقزز، ولكن الرائحة النفاذة
كانت تخترق حواجز العزلة المتوهمة.
لا أدري كم من الوقت مضي علي في هذه الحجرة حين سمعت أذان العصر، بدا لي أنه
يصدر من أحد المساجد القريبة، دنا مني أحد "أحمد" وقال: أمازلت على وضوئك؟
أومأت برأسي دون أن يتلفظ لساني بكلمة، كأن الكلام يأبى الخروج نفورا من المكان.
مال "أحمد" على أحد الجالسين وسأله: هل تعرف اتجاه القِبلة؟
لم يرد الرجل وجعل يحملق في وجه "أحمد" كأنه يرى مخلوًقا غريبا، فرفع "أحمد" صوته
مخاطبا جمع الحاضرين: هل يعرف أحدكم اتجاه القبلة؟
لم يرد أحد، فكرر "أحمد" سؤاله مرة أخرى دون أن يتلقى جوابا، فبدا على وجهه
الحيرة، ووقف برهة يفكر ثم توجه إلى الباب ليطرقه بعنف صائحا: هل من مرشد إلى
اتجاه القبلة؟، وظل يكرر سؤاله حتى قال له أحد الحاضرين غاضبا: لا تصدع رؤوسنا،
لن يرد عليك أحد.
تنهد "أحمد" بعمق وزفر بقوة ليطرد ما في صدره من كمد، فاقتربت منه وهمست في
أذنه: ارفعني لأنظر من النافذة عسى أن أرى ظلا للشمس فيرشدني إلى اتجاه القبلة.
وقف "أحمد" تحت النافذة وشبك أصابع يديه، فوضعت عليها قدمي صاعدا صوب
النافذة، نظرت منها فنسيت ما صعدت لأجله، رأيت أناسا يسيرون في كل اتجاه، لم أر
وجوههم ولا ثيابهم ولكن رأيت حرية ينعمون بها وقد حرِمت منها، وشعرت بمرارة
القهر التي يتجرعها الأسرى والسجناء، ولم يقطع حبل تأملي إلا صوت "أحمد": هلرأيت ظلا؟

انتبهت إلى اتجاه الظل، فنزلت، وأشرت إلى اتجاه القبلة، ثم أقمت الصلاة، وصلى
"أحمد" بي إماما متخذا من الحائط سترة.
جلسنا على الأرض بعد الصلاة، بدأت أشعر بحشرات تسلل إلى جسدي، انتفضت
واقًفا وخلعت قميصي محاولا التخلص منها دون جدوى، جعلت أضرب جسدي
بيدي كمن به جِنة ولكن زحف الحشرات لم يتوقف، نظر إليَّ أحد اُلمحتجزين وقا ل: يا
بني لا تخف هذه حشرات أليفة ولا تضر.
قلت بحنق شديد: إني أشعر بلدغها.
فقال: يبدو أن جسدك من الصنف الجيد الذي يطيب لها لدغه، بعد أن سئمت
الأجساد العفنة هنا.
وارتفع صوته ضاحكا من قوله السخيف، فكظمت غيظي ولم أتلفظ بكلمة.
وبينما أنا في شغلي مع الحشرات إذا بالباب يفتح ليدفع أحد الجنود بثلاثة رجال إلى
داخل الحجرة، بدت لي وجوههم المزينة باللحى مألوفة، وتذكرت رؤيتي لهم يوم
حضرت التدريب المسلح مع "أحمد"، اقترب منهم "أحمد" مصافحا، وبدأ حوار هامس
يدور بينهم لم يبلغني كلماته.
وبعد دقائق ُفتح الباب مرة أخرى، ووقف به جندي، وقال بصوت أجش: من يسمع
اسمه يتقدم إليَّ.
ثم نادى خمسة أسماء شملتني و"أحمد" والرجال الثلاثة، فتقدمنا إليه تقدم من فقد إرادته،
وسلم أمره لغيره ليسيره كيف شاء، قام الجندي بتكبيلنا بالأصفاد مرة أخرى،
وخرجنا من مركز الشرطة لنركب سيارة لها مؤامل كأنها غرفة من حديد، وكان بها
أربعة صفوف من المقاعد وست نوافذ ضيقة، وكانوا يسمونها (سيارة الترحيلات)،
جلسنا في ذلك السجن المتنقل، وقد ُأغلق بابه بالأقفال، وجلس خلفه جنديان
مسلحان، كنت أشعر بالراحة لأني فارقت حجرة الحجز غير عابئ بما سيؤول إليه
أمري بعد ذلك.
سارت بنا السيارة ونحن لا ندري وجهتها، وبعد فترة توقفت السيارة أمام مركز آخر
للشرطة وتم فتح الباب ليدفع رجل آخر معنا، ثم مضت السيارة تكمل طريقها، إلى
أن دخلت سجنا مهيبا، أسواره الهائلة يعلوها أسلاك شائكة، ويلوح من خلف
الأسوار
أبراج عالية يتخذها جنود الحراسة المسلحون مستقرا لهم


للقصه بقيه

انتظروا

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fgec.ahlamontada.com
الغريد الأسيف
( إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْم
( إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْم


الديانة الديانة : الحمد لله على نعمة الاسلام وكفى بها نعمة
الجنسية الجنسية : وطنى هو كل مكان يُذكر فيه ربى جل فى علاه
عدد المساهمات : 7765
العمر العمر : 41
المهنة المهنة : لا حياة بدون عمــــل .. ولا عمل بدون أمــــل !!
الابراج الابراج : القوس
الأبراج الصينية الأبراج الصينية : القط
نقاط : 186557
السمعة : 246
تاريخ الميلاد : 07/12/1975
تاريخ التسجيل : 29/03/2010
الموقع : http://fgec.ahlamontada.com/
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : Senior master of English

مُساهمةموضوع: رد: قصة كلها عبر ومواعظ .. حياة شاب وكأنها خيال . والله سوف يبكي قلبك قبل عينك   2012-01-18, 12:05 am

http://www.forsanelhaq.com/showthread.php?t=288344

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://fgec.ahlamontada.com
 
قصة كلها عبر ومواعظ .. حياة شاب وكأنها خيال . والله سوف يبكي قلبك قبل عينك
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فرسان القلعة التعليمية الشاملة  :: ۩۞۩ :: ۞ القلعة الإخبارية ۞:: ۩۞۩ :: ღ قلعة الموضوعات العامة ღPublic issues Castle-
انتقل الى: